النازحون والغربة التي قد تطول

النازحون والغربة التي قد تطول

ثمة شعور لدى النازحين ان الغربة عن الجنوب قد تطول. للمرة الاولى تعيش اجيال جديدة من الجنوبيين، حالة الهجرة والنزوح لاسابيع تتعدى ما سبق حصوله في حرب تموز او في عام 2024. والذين تعايشوا مع الشريط الحدودي في الثمانينات وحتى الخروج الاسرائيلي عام 2000، يدركون ان هذه المرّة لا تشبه المرات السابقة.

ليس منطق التهجير والهدم وحده معيار الاختلاف، عن المراحل السابقة التي شهدت تدميرًا واعتداءات وحرق مزروعات وجرف منازل. بل اختلاف الظروف داخليًا وخارجيًا كذلك.

ميدانيًا اسلوب التدمير الممنهج، والشامل، يعكس صورة قاتمة لما بعد الحرب، وهذا يعني ان اي مسار تسلكه المفاوضات، سيكون غير ذي تأثير مباشر على العودة النهائية. فاي مشروع اعمار لهذه المساحات الشاسعة من القرى والبلدات المدمرة يحتاج الى جهود اشهر طويلة ان لم يكن سنوات من اجل اعادة القرى الممسوحة عن الخريطة الى ما كانت عليه. هذا في حال تأمنت اموال الاعمار، التي يحتاجها الجنوب والضاحية والبقاع. وتلقائيا هذا يعني بقاء حال النزوح على ما هي عليه في انتظار انتهاء كل هذه الترتيبات التي تستغرق وقتًا طويلًا. ما يفاقم من المشكلات الداخلية، اذ كان التعاطي مع فعل الهجرة بذاته مختلفًا  عن التهجير السابق، سواء للناحية الاقتصادية او لناحية غياب هذا التوجس من استمرار النزوح لاشهر طويلة خارج القرى والبلدات الجنوبية، والاقامة في خيم او مدارس أو تجمعات نازحين، ومنازل مستأجرة لفئات محدودة. لأن النزوح على مدى اشهر طويلة يعني زيادة الاعباء الاجتماعية والصحية والبيئية والتربوية في مناطق النزوح، اضافة الى مشكلات اقتصادية وحيوية كالكهرباء والماء. لان المناطق التي اضيف اليها اعداد كبرى من النازحين، ليست مهيأة مع المؤسسات الموجودة فيها سواء كانت صحية او تربوية او وحدات سكنية لاستيعاب حاجات المجتمع النازح لمدة اشهر طويلة. والخوف المبرر من الان، ومع انتهاء فصل الشتاء ان يعود الموسم المقبل والنازحون لا يزالون في اماكن نزوحهم.  

 ومع  فقدان الغطاء الخارجي والسند الذي كان يشكّل متنفسًا للجنوبيين سواء عبر سوريا او لاحقًا عبر ايران وتأثر هذا الغطاء بفعل الحرب الاميركية والاسرائيلية على ايران، تتضاعف مؤشرات القلق على المجتمع النازح لجهة الاعانات المالية والمساعدات التي كانت عادة تؤمّن عبر هذه المرافق من اجل ترتيب اوضاعه. والسند يشكل دعامة مالية بقدر ما هي دعامة سياسية تؤمن المظلة السياسية التي تجعل من السهل التعامل مع مشكلة النزوح لاشهر طويلة بأقل الاكلاف الممكنة.

يؤدي كل ذلك الى ان كم المشكلات القائمة تكفي في ذاتها من اجل نشوء اسياب موجبة للتوترات الاجتماعية  بغض النظر عن الانتماءات السياسية، لان فقدان سلطة قادرة على تهيئة ظروف البيئات الحاضنة والنازحة الاقتصادية والاجتماعية والبيئة والصحية، من شأنه ان يضاعف من عوامل القلق. 

اقرأ المزيد من كتابات هيام القصيفي