صرخة حدودية: لبنان هويتنا إلى الأبد، فأين هم مسؤولونا؟
قافلة مساعدات الى المنطقة الحدودية
أثير في الأيام الأخيرة من الجانب الإسرائيلي، موضوع طلب جهات مسيحية في القرى الحدودية، حماية دولة اسرائيل. وقد أثير بداية في وسائل الإعلام، وأخذ مداه مع تطرق رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو إليه.
لا بدّ هنا من إيراد حقيقة الوقائع حسبما يعيشها أبناء هذه القرى كما هي. فإن أي جهة لها طابع تمثيلي لهم، كالمجالس البلدية والإختيارية، لم تطلب حماية أو انضمام، إلا حماية الجيش اللبناني وقواه الأمنية المختلفة، ولا بديل لديهم عن وطنهم لبنان. وهذا ما أكدته هذه الجهات في ببانات وتصريحات متتالية، منذ اندلاع الأحداث في تشرين من العام ٢٠٢٣.
وقياسا على الهيئات الرسمية هذه، تقف الأحزاب المختلفة، والقوى العائلية المحلية.
غير أن هذا الأمر وغيره، يلقي بثقله على كاهل الأهالي الذين تضيق بهم السبل، ويفتقرون إلى الإمكانات والوسائل لبناء جدار حماية لهم ولوجودهم، إلا إرادتهم العنيدة، وآمالهم بعودة مؤسسات الدولة إليهم.
فهم من جهة يواجهون موجات من التخوين من بعض الأفرقاء، وذنبهم أنهم تشبّثوا بأرضهم، ولم يرضوا بوجود قوى داخل قراهم غير قوى الدولة لقناعتهم أنها هي خشبة الخلاص الوحيدة لهم. ومن جهة ثانية، فهم يواجهون ظروف الإحتلال القاهرة، وقد أصبحوا تحت سيطرته، مع ما يرافق ذلك من محاذير في التعامل معه. وليس المقصود هنا التعامل العسكريّ أو الأمنيّ غير الوارد تماما، إنما التعامل المدنيّ لتسيير شؤون الحياة اليومية في حدّها الأدنى.
وفي ذروة احتدام الأعمال العسكريّة، انقطعت الطرقات لأيام طويلة إلى الداخل اللبناني، فوقع السكان في القرى الحدودية في ضائقة كبيرة. إذ فقدت سلع رئيسية من اسواقهم كالخضار والمحروقات واللحوم والطحين، وأقفلت الطرقات أمام فرق الإسعاف. وبالرغم من ذلك فإنهم لم يتوجهوا بطلبات مساعدة من الجيش الإسرائيلي، وإن كل ما حصل هو أن هذا الجيش حمل مساعدات تموينية من جمعيات مسيحية، وضعها على الحدود أو في أماكن محددة، ولم يتم تنسيق مباشر مع الأهالي لاستلامها، بل توجه الأهالي من تلقاء أنفسهم لاستلامها وتوزيعها.
وإن ما فعله الأهالي هنا، يتوافق تماما مع الشرائع والمواثيق الدولية التي ترعى وتنظم علاقة المحتلّ بسكان البلاد المحتلة. بل إن الأهالي امتنعوا عن التنسيق مع المحتلّ في أمور مهمة تساعد على حمايتهم، وقد أدى هذا إلى دفعهم لأعداد من الشهداء والجرحى.
وهكذا وجد أهالي القرى الحدودية الصامدة أنفسهم في وضع لا يحسدون عليه، محاصرين جغرافيًا وتصرفًا. وكانوا دائما يتطلعون إلى سلطتهم الوطنية لتنقذهم. وفي حالتهم، كان في استطاعة الحكومة أن توّفر لهم الأمان الضروريّ، وذلك من خلال إصدار تعليمات مكتوبة وواضحة إلى المجالس البلدية المحلية، عن كيفية التعاطي مع الأمر الواقع، من خلال المواثيق والمعاهدات التي ترعى ظروف الإحتلال. غير أن الحكومة لم تفعل، واكتفى بعض المسؤولين بتصريحات شفهية لا تؤدي المطلوب. فما كان على الأهالي إلا أن "يقلّعوا شوكهم بإيدهم ". ويتساءل الأهالي، إذا كانت حكومتنا حذرة ومترددة في تعاطيها مع حالتنا، فكيف بالحري بنا؟.
في علم القانون، يقال أنه إذا سقط أحدهم من السطح على سيارة مركونة على الطريق، فإن صاحب السيارة يتحمل جزءًا من المسؤولية. والأهالي الثابتون يجدون أنفسهم مثل تلك السيارة التي صادف وجودها في المكان. فهم يتحمّلون وزر أحداث أسقطت عليهم دون رضاهم، ولكن على الأقل فليحقّ لهم المرافعة عن أنفسهم. إن الأهالي يحاولون أن ينقذوا أنفسهم من لعنتي الجغرافيا والتاريخ اللتين تحاصرهما، مع إصرارهما على الإنتماء والإتحاد بالوطن.وجلّ ما يطلبونه هو أن يكفّ البعض عن توجيه سهام الإتهامات والشكوك نحوهم، وأن تقف الحكومة إلى جانبهم دون خجل أو تقية. فأهالي القرى الحدودية يعيشون في حقل من الألغام، يحاولون نزع فتائلها بأقل ضرر ممكن. ولا أحد يدرك غيرهم صعوبة واختيار وضع أقدامهم في الأمكنة المناسبة، فحتى رفض تسلم إعانة غير حكومية من سلطة الإحتلال، لها حساباتها. وإن شهادة الوطنية قد اكتسبوها في جيناتهم، منذ أن رفضوا مغريات الإنتداب الإنكليزي عام ١٩١٩ لضمهم إلى الأراضي الفلسطينية.
في العام ١٩٥٩، تأسس دير الراهبات الأنطونيات في رميش، وقد اختارت جمعية الراهبات له اسمًا، وهو دير مار انطونيوس. غير أن تمنيًّا وصلها من أهالي البلدة ومن أول رئيسة للدير، من آل يمين، أن يستبدل الإسم بدير سيدة لبنان. وكان المبرر أن الدير يشكل آخر بناء على الحدود مع اسرائيل، وأن هناك خشية من أن تعمد اسرائيل إلى ضم الأراضي الحدودية لها، فتبقى هذه التسمية شاهدة على أن هذه الأرض هي لبنانية. وافقت جمعية الراهبات وضمت التسمية كلمة لبنان، الذي سيظل برأي وقناعة الجنوبيين إلى الأبد.