روي بدارو: الوضع مأساوي وقلّة ستصمد ومتّجهون الى مشكلة اجتماعية كبيرة

روي بدارو: الوضع مأساوي وقلّة ستصمد ومتّجهون الى مشكلة اجتماعية كبيرة

الاقتصادي روي بدارو

في ظل تصاعد حدّة الحرب الاسرائيلية وتراكم الانهيار المالي، يدخل لبنان مرحلة شديدة الحساسية تتجاوز إطار الأزمة الاقتصادية التقليدية، لتلامس بنية الاقتصاد والدولة معًا. لم يعد الحديث مقتصرًا على خسائر شركات أو تراجع مؤشرات، بل على قدرة قطاع كامل على الصمود، في وقت تتفاوت فيه الإمكانات بين شركات كبرى قادرة على التكيّف، ومؤسسات صغيرة ومتوسطة مهدّدة بالاختفاء.

 

بالتوازي، تتراجع إيرادات الدولة وتتقلّص قدرتها على التدخل، فيما يلوح خطر إضافي على سعر الصرف، ما يفتح الباب أمام ضغوط مالية ونقدية متزايدة. ومع اتساع رقعة الخسائر، لا تقتصر التداعيات على الاقتصاد فحسب، بل تمتد إلى المجتمع، مع توقعات بارتفاع معدلات الفقر والهجرة، وتزايد المخاطر 

الاجتماعية.

 

في هذا المشهد المعقّد، تبرز أسئلة أساسية: هل يواجه لبنان أزمة ظرفية أم تحوّلًا بنيويًا طويل الأمد؟ من سيتحمّل كلفة الانهيار؟ وهل يمكن احتواء التداعيات بإمكانات داخلية، أم أن المرحلة تفرض تدخلًا خارجيًا، في ظل غياب رؤية سياسية واضحة حتى الآن؟

 

في هذا الإطار، طرح "كافيين دوت برس" السؤال على الاقتصادي روي بدارو، وكان هذا الحوار:

 

+ كيف تقيّم الوضع الاقتصادي الحالي في لبنان وتأثيره على الشركات؟

- الوضع مأساوي أكثر بكثير مما يعتقده الناس. عدد قليل من الشركات فقط سيتمكن من الصمود. قليل جدًا من الشركات سيستطيع الاستمرار. فعلًا، الله يعين كل من لديه مؤسسة خاصة، خصوصًا المؤسسات الصغيرة. أما المؤسسات الكبيرة، فعادةً ما تكون قد كوّنت احتياطات أو لديها حسابات خارج لبنان، ما يمكّنها من التصرّف.

 

+ ما هو واقع الشركات الصغيرة والمتوسطة في هذه الظروف؟

- المشكلة اليوم تكمن في الشركات الصغيرة والمتوسطة،  ثمة كلمة تعبّر عن صعوبة وضعها فهي هشّة  Fragile"". هذه هي المشكلة الأساسية اليوم.

 

+  ماذا عن الشركات الأخرى؟

- بالطبع، الشركات الموجودة في المناطق المنكوبة لن تتعرض فقط للخسارة، بل إن قسمًا كبيرًا منها سيختفي بالكامل. وهذا يعني أن العديد من أصحاب الأعمال سيصبحون عاطلين عن العمل، وسيكون من الصعب عليهم إعادة التأقلم، خاصة إذا اضطروا للانتقال إلى مناطق ليست بيئتهم، ولا سيما إذا لم يعودوا إلى الجنوب.

 

+ عادةً في أوقات الحروب تلجأ الشركات الكبيرة إلى دول عربية او اجنبية مجاورة كملاذ بديل، لكن في ظل هذه الحرب ذات الطابع الإقليمي، لم يعد هناك ملجأ واضح أو آمن لها. كيف سينعكس ذلك على قدرتها على الصمود، وما هي الخيارات أو الحلول المتاحة أمامها؟

- الشركات الكبيرة لا تواجه مشكلة في العمل طالما يوجد إنترنت، إذ يمكنها العمل عبر الإنترنت سواء في عمليات الشراء أو الدفع أو حتى التحصيل. كما أنها غالبًا ما تعتمد على الدفع النقدي، ولا تعتمد على الاقتراض من المصارف اليوم، لذلك لا تواجه مشكلة كبيرة. الحرب ستؤثر على عدد كبير من الناس، ولكن تأثيرها على الشركات الكبيرة أقل، بينما يزداد التأثير كلما صغر حجم الشركة.

 

+ هل ستضطر الشركات للإقفال؟

- الشركات الصغيرة والمؤسسات الفردية، ستتضرر في شكل كامل. هذه المؤسسات ستُجبر على الإغلاق. من المفترض أن يصدر قانون خاص لمعالجة أوضاع هذه الشركات، لكنه لم يصدر حتى الآن. يجب أن يصدر قانون أو إجراء من وزارة المالية لتسهيل إقفال الشركات، لأن إقفال الشركة في لبنان مكلف جدًا.

 

+  على من تقع الخسارة في هذه الأزمة؟

- الخسارة ستقع على صاحب الشركة، لكن اقتصاد الدولة سيتأثر أيضًا بالتأكيد. الاقتصاد العام في وضع مأساوي. كانت هناك وعود بزيادة الرواتب بكلفة تقارب 800 مليون دولار سنويًا، لكن بعد مرور ثلاثة أشهر قد تنخفض إلى 500 أو 600 مليون دولار حسب كيفية التعامل. في المقابل، الإيرادات من الجمارك والاستيراد والضرائب ستنخفض، وبالتالي لن تتمكن الدولة من الاستمرار أو دفع هذه المبالغ دون إجراءات جديدة، ولبنان غير مهيأ لاتخاذ مثل هذه الإجراءات.

 

+ هل يمكن اعتبار ما يحصل اليوم مجرد أزمة عابرة، أم أننا أمام إعادة تشكيل كاملة للاقتصاد اللبناني؟

- نحن دخلنا في مرحلة بنيوية وليست ظرفية. الاقتصاد سيتغير بشكل كبير بعد هذه الحرب. في حال استمرت الحرب، سيزداد الفقر، وسترتفع نسبة الهجرة، ونحن متجهون نحو مشكلة اجتماعية ومجتمعية كبيرة جدًا. بعض الأشخاص لا يزالون في حالة زهوة الانتصار، لكن عندما يستفيقون سيدركون حجم ما حصل.

 

+ إذا لم تتخذ وزارة المالية أي إجراءات، إلى أين يتجه الاقتصاد؟

- حتى لو اتخذت وزارة المالية إجراءات، فإن الاقتصاد سيتجه نحو الأسوأ، لكن هذه الإجراءات قد تخفف من حدة الأزمة. نحن وصلنا إلى مرحلة يوجد فيها خطر على سعر الصرف، وهذا يتطلب إدارة دقيقة جدًا داخليًا وخارجيًا لاحتواء الأزمة التي بدأت منذ عام 2019 واستمرت حتى اليوم.

 

+ هل نحن أمام انهيار اقتصادي؟

- لا أريد وصفه بالانهيار، فهذه كلمة كبيرة، لكن ما يمكن قوله هو أن سعر الصرف اليوم في خطر. الوضع يتطلب تدابير داخلية وخارجية، وخاصة داخلية، لكن ذلك صعب جدًا دون دعم خارجي.

 

+  ما حجم الخطر الاقتصادي الذي يواجه لبنان اليوم؟ و هل هو قادر على احتواء هذه الأزمة دون دعم خارجي؟

- نحن أمام خطر بنيوي كبير اقتصاديًا وعلى مستوى الدولة. دون تدخل خارجي، لا يمكن للبنان حماية نفسه بالكامل من هذه الأزمة. قد يتم اللجوء إلى استخدام جزء من الذهب المخزن منذ عقود، لكن المشكلة ليست في استخدام الذهب في حدّ ذاته، بل في غياب مشروع سياسي واضح. في ظل هذا الغموض، لا يمكن استخدام موارد بهذا الحجم دون معرفة المسار السياسي المستقبلي، لأن الأمر يشبه استخدام ممتلكات العائلة دون معرفة إلى أين تتجه هذه العائلة وكيف ستعيش مستقبلًا.

اقرأ المزيد من كتابات جاكي مرعب