مؤسسات المجتمع المدني في القرى الحدودية : " دولة الخدمات " خلال الحرب

مؤسسات المجتمع المدني في القرى الحدودية :  " دولة الخدمات " خلال الحرب

عرفت القرى الجنوبية، منذ سنوات طويلة، وبداية ستينات القرن الماضي، ولادة عدد كبير من المؤسسات الإجتماعية الناشطة في مختلف الميادين. فظهرت النوادي الثقافية والرياضية، والجمعيات الدينية، والحركات الكشفية. ثم الجمعيات الخيرية والإجتماعية ذات الطابع الإغاثي والإنمائي. 

هذه الجمعيات المحلية، شكّلت بيئة حاضنة لنشاطات الشبيبة المتحفزة والمنفتحة، والطامحة إلى تغييرات اجتماعية وثقافية وإنمائية. خاصة مع تلمّس تقصير رسمي مزمن لهذه المنطقة، فشكلت هذه الهيئات الخاصة بعض التعويض عن مؤسسات الدولة العامة.

 

توّسع عمل المؤسسات

 مع انتهاء الإحتلال الإسرائيلي للمنطقة، وفدت إليها مؤسسات لبنانية وأخرى دولية، نشطت في العمل الى جانب المؤسسات المحلية وبالتعاون معها، وبالتنسيق مع البلديات التي أعيد إحياؤها بإجراء الإنتخابات، بعد أن كانت مستثناة منها. ومن أهمية هذه المؤسسات أنها تملك إمكانات مالية ولوجستية وشبكة علاقات  عامة تستطيع من خلالها تأمين التمويل للمشاريع. ومن هذه المؤسسات : فرسان مالطا، كاريتاس، الرؤية العالمية،  undp،œuvre ďorient ... وغيرها .

 

مساهمة المؤسسات في شتى النواحي الخدماتية والإنمائية 

 عملت هذه المؤسسات في جميع النواحي الخدماتية والإنمائية، فشكّلت دعمًا مهمًا للأهالي، وساهمت مساهمة أساسية في عملية التنمية والإغاثة. فطالت أنشطتها النواحي الصحية ( معاينات، ومختبرات، وأدوية، وتجهيزات)، والتربوية ( تجهيزات للمدارس، وأقساط )، والزراعية ( إنشاء مراكز، أدوية وأسمدة، نصوب وشتل .. )، وبنى تحتية ( مصابيح للطرقات ، طاقة شمسية للكهرباء والآبار الارتوازية، حيطان دعم، مساهمة في شق طرقات وتعبيدها، مساهمة في تجهيز آبار إرتوازية وإصلاح أعطالها ... ) ، ومساعدات عينية مالية وغذائية للمحتاجين والمسنين والأطفال، وتنظيم حفلات للأطفال وتقديم هدايا وألعاب، والمساهمة في المهرجانات القروية، وتوفير المحروقات للمؤسسات التربوية والإدارية ومنشآت البنى التحتية.

ولا يغيب عن البال دور القوات الدولية، التي تقدم باستمرار، ومن خلال برنامج مدروس، الدعم لجميع الخدمات المذكورة آنفا .

 

تعاظم دور المؤسسات غير الحكومية خلال الحرب 

 خلال حرب السنتين الأخيرتين التي شهدها الجنوب، برز دور محوري لعمل المؤسسات في دعم صمود الأهالي في أرضهم من جهة، وإعانة من نزحوا الى الداخل اللبناني من جهة ثانية. وقد برزت الحاجة إلى عملها نظرًا الى توقف الأعمال المهنية والزراعية بشكل كامل، وللخسائر المادية الفادحة في الأرزاق والممتلكات، مما نتج عنه توقف المداخيل عن شريحة واسعة من الأهالي، خاصة أن جلّهم من الموظفين والمزارعين أصحاب مداخيل محدودة.

فنشطت الجمعيات بالتنسيق مع البلديات . وهذا ما يرسمه لنا رئيس بلدية رميش السابق ميلاد العلم ، الذي قال لموقع كافيين دوت برس  " أنشأنا خلال حرب الإسناد خلية أزمة ، بمشاركة مختلف هيئات المجتمع المدني في البلدة ، وبتنسيق وإدارة البلدية. مما ساهم في التخفيف من وطأة الحرب، وتعزيز صمود الأهالي في واحدة من أصعب المراحل التي مرّت بها منطقتنا. 

إن خلية الأزمة التي أدارتها البلدية عملت على : تحديد الحاجات الأساسية للمواطنين ، وإلى التنسيق المباشر مع الجهات الداعمة ، وتنظيم توزيع المساعدات ، ومتابعة التنفيذ ميدانيا مع تحديث لوائح المستفيدين " .

وعدّد العلم المؤسسات والجهات التي دعمت خلال الحرب : برنامج الأغذية العالمي ، اليونيسيف ، أوشا ، unhcr ، undp ، اليونيفيل ، الصليب الأحمر الدولي، سوليدارتي، ألفا، نورج، قاديشا، الرؤية العالمية، دوركاس، كاريتاس، بانتا، تنورين، أديان، سطوح بيروت، كنائس الشرق الاوسط، œuvre ďorient ، فرسان مالطا، الرابطة المارونية ... 

كما أورد رئيس بلدية رميش السابق أسماء شركات اقتصادية ، وسفارات أجنبية ، وتبرعات فردية وحزبية مختلفة .  

وعن أهمية عمل المؤسسات غير الحكومية بالتنسيق مع البلدية قال : أنها شكلت شبكة أمان إنسانية للأهالي، وعاملًا أساسيًّا في بقاء الناس في أرضهم، ودعمًا مباشرًا للفئات الأكثر ضعفًا، وعنصرًا معززًا للتماسك الإجتماعي والثقة بالإدارة المحلية. كما أكدت على أهمية الشراكة بين البلدية والمجتمع المدني.

رئيس بلدية رميش السابق ميلاد العلم
غياب المؤسسات الرسمية 

 بدوره ، أثنى رئيس بلدية عين ابل السابق عماد اللوس على دور مؤسسات المجتمع المدني في دعم صمود الأهالي خلال الحرب، وقبلها في إنجاز مشاريع بنى تحتية هامة، كمعالجة النفايات، وتجهيز البئر الإرتوازي بالطاقة الشمسية، وشق وتأهيل بعض الطرقات . 

 وأكد اللوس أن دور هذه المؤسسات عوّض غياب المؤسسات الحكومية خلال الحرب، باستثناء مجلس الجنوب الذي قدم حصصًا غذائية متواضعة على ثلاث مرات. 

وفي الواقع كان لافتا غياب أجهزة الدولة ومساعيها في دعم صمود الاهالي، ما عدا قليل منها وبإمكانات متواضعة جدًا ، كمجلس الجنوب ومؤسسة الريجي ووزارة الشؤون الإجتماعية.

رئيس بلدية عين ابل السابق عماد اللوس
المجتمع المدني حيوي ناشط في المنطقة الحدودية 

 تتميز مؤسسات المجتمع المدني في القرى الحدودية، أنها تجذب الوجوه الشابة للعمل ضمنها، وهي غيورة على مصلحة مجتمعاتها، وتملك حسًا اجتماعيًّا ووطنيًّا راقيًا . 

ومن نماذج هذه المؤسسات، إلتقى موقعنا مؤسس ورئيس جمعية رغيف رحمة في رميش، الأب جوهر طانيوس، الذي ذكر لنا أن منطلق تأسيس الجمعية عام ٢٠١٦ كان روحيًّا ولكننا " لم نستطع أن نغض النظر عن المهمشين والمحتاجين في مجتمعنا. فطوّرنا عملها إلى الناحية الإجتماعية، وبدأت تصلنا مساعدات لتوزيعها. وهي غذائية، وثياب، وأدوية، وحليب أطفال، وحفاضات، ومازوت للتدفئة، ومبالغ مالية ومنها لتسديد أجزاء من أقساط المدارس. وهكذا توّسعت اهتماماتنا الروحية والإنسانية ، وبلغ عدد المنتسبين ٧٠ شخصًا ، عدا عن الأصدقاء . كما أننا نقدم مساعدات في حالات خاصة بالمشاركة مع مؤسسات مقتدرة ، فمثلا قدمنا مساعدات لعلاج مرضى السرطان بالتعاون مع œuvre ďorient . كذلك نفعل مع أصحاب الحاجات الخاصة " . 

وعن مصادر الدعم ، أوضح الأب جوهر ، أن بغالبيتها من متمولين محليين ومغتربين ، وقسم منها من مؤسسات وطنية أو أجنبية ناشطة في لبنان . 

وعن المستفيدين من تقديماتها ، ذكر أنهم أبناء قرى رميش وعين ابل والقوزح ودبل ويارون. وهناك من يقدمون مساعدة مشروطة لفئات معينة من المحتاجين. وبالنسبة إلى تطور عدد المحتاجين ، فكان قبل الأزمة الإقتصادية عام ٢٠١٩ حوالي ٥٠ عائلة. ولكن بعد الأزمة ارتفع إلى ما بين ٣٠٠ إلى ٤٠٠ عائلة. وخلال الحرب قفز إلى ما بين ٦٠٠ إلى ٧٠٠ .

 

6789.png 386.83 KB
دور بارز  للمتمولين  والمغتربين من أبناء المنطقة 

 ومن الداعمين الأساسيين للأهالي وللمؤسسات ، برزت الهبات  الشخصية من متمولين من خارج المنطقة ، وخاصة من أبناء المنطقة المقيمين في لبنان والمهاجرين خارجه. وقد ساهم هؤلاء المتمولون في كافة المشاريع التنموية، وفي الدعم المالي للعائلات المحتاجة . وكانوا حاضرين بقوة إثر الأزمة الإقتصادية عام ٢٠١٩ ، وفي حرب الإسناد الأخيرة.

 

 

اقرأ المزيد من كتابات بيار حبيب