لبنان يشطِب عقوبة الاعدام قريبًا . ابرهيم نجار: وسام على صدره

لبنان يشطِب عقوبة الاعدام قريبًا . ابرهيم نجار: وسام على صدره

ما لفت في الاجتماع الموّسع الاخير الذي عقد في شأن الغاء عقوبة الاعدام هو  الإجماع الذي حظي به من نحو 40 شخصية سياسية عقدت العزم على وجوب الغاء عقوبة الاعدام في لبنان، باستثناء احد الحاضرين طلب اقرار إرجاء تطبيق هذه العقوبة الى اجل غير مسمى على النحو الجاري في لبنان منذ عام  2004 ، وبات حبرًا على ورق منذ 22 عامًا.

وتُسجّل هذه الخطوة المتقدمة، عشية الغاء تنفيذ الاعدامات في لبنان في مجلس النواب، لرجالات كبار من أبنائه  دأبوا على المطالبة بإلغائها من قاموس بيروت وعملوا في سبيل هذه الغاية.وآخرهم الوزير الاسبق البروفسور ابرهيم نجار الذي ستسجل بصْمَته في تعقب هذا الهدف منذ اللحظة الاولى لتوليه وزارة العدل ورفضه التوقيع على أي حكم بالإعدام والعمل محليًّا ودوليًّا من اجل تحقيقه حتى بات هذا الإلغاء قاب قوسين من إقراره، لتنتقل عبارة العقوبة القصوى الى عبارة الأشغال الشاقة المؤبدة، الحكم الاقسى من الموت مرة واحدة على المقصلة من الموت كل يوم  للمحكوم وراء القضبان مؤبدًا ليتمنى ساعته.

يلاحظ المتحدث الى البروفسور نجار غبطته من بلوغ حقبة الإعدامات في لبنان النهاية من نص قانون العقوبات، بعد وقف تنفيذه عمليًّا بتعهد دوليّ منذ 22 عامًا. ويذكّر في الوقت نفسه في حديثه لـ" كافيين دوت برس" انه "عام 2011 صدر قانون تخفيض العقوبات، الذي استبدل عقوبة الاعدام في شكل واضح، ونصّ على خفض عقوبة المحكومين بالمقصلة بموجب المادة 549 في قانون العقوبات". وبحسبه "تجري حاليًا مناقشة صياغة النص الجديد الملغي لهذه العقوبة تلافيًّا لعدم حصول تفسيرات متناقضة او ارباك لنتائج الغائها لأن القانون الحالي يتضمن  33 مرة هذه العقوبة ويقتضي الغاءها جميعها، لتستبدل بعقوبة الاشغال الشاقة المؤبدة. لكن وزير العدل لا يستسيغ استعمال عبارة " الاشغال الشاقة المؤبدة" لأنها غير جيّدة في حق لبنان في نظر الخارج كونها لا تزال موجودة في النصّ، لذلك أقرّ الرأي على مبدأ إلغاء عقوبة الاعدام ،واستبدالها حيثما ورد ذكرها في القانون بالعقوبة الآتية...، أي من دون ذكر  تلك العبارة، ولكنها واقعيًّا هي الاشغال الشاقة المؤبدة. كما سيُلغى ذكر عقوبة الاعدام في المادة 37 في قانون العقوبات وعندها تكون العقوبة القصوى الاشغال الشاقة المؤبدة".

         كثر طالبوا بإلغاء حكم الاعدام  قبلي، يضيف البروفسور نجار " بدءًا بكمال جنبلاط ورئيس الحكومة الاسبق سليم الحص مرورًا بالنائب أشرف ريفي ونقابتي المحامين في بيروت وطرابلس وصولًا الى المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، التي حكمت في قضية اغتيال الحريري،ولم تكن لتلك المحكمة ان تُشكّل لو بقي لبنان يطبق عقوبة الاعدام".          

  رواية معروفة عن البروفسور نجار  مع توليه وزارة العدل ودخوله للمرة الاولى الى مكتبه وزيرًا ، عندما حضر رئيس القلم حاملًا في يده ملفًا يتضمن 17 حكمًا نهائيًا بإنزال عقوبة الاعدام وقّع على تنفيذها كل من رؤساء جمهورية ورؤساء الحكومة ووزراء دفاع ومال. ولم يبق سوى توقيع وزير العدل.ولما بادر الموظف بطلب توقيعه رفض الإقدام على ذلك.وإتصل على الفور برئيس هيئة التشريع والاستشارات في حينه القاضي شكري صادر، وطلب منه تحضير مشروع لإلغاء عقوبة الاعدام. وعندما علم الخارج بخطوته. وبعد شيوع موقفه في الخارج إنتخب رئيسًا للجنة الدولية لإلغاء عقوبة الإعدام.

       بعض دول الخارج جعلوا عقوبة السجن المؤبد 21 عامًا في نصوصهم القانونية. وكلمة مؤبد في نظر قانونييهم لا تقلّ عن عقوبة بل ذهبوا الى اعتبارها اقسى من الاعدام لأنها وتشكل اعدامًا يوميًا للمحكوم مدى الحياة. يؤيد البروفسور نجار هذا التوجه في جعل الادانة بعقوبة سجنيّة محددة. ويعلّل وجهة نظره راويًا انه عام 2019 طلب مقابلة البابا فرنسيس الذي استقبله واعضاء اللجنة الدولية لإلغاء عقوبة الاعدام. " في حينه كانت الكنيسة الكاثوليكية ضد عقوبة الاعدام لكنها لم تكن اتخذت موقفًا نهائيًا من قضية إلغائها. استغرقت تلك الزيارة مع الحبر الأعظم  55 دقيقة. وللمرة الاولى في تاريخ هذه الكنيسة وجّه البابا فرنسيس كتابًا لنا من عشر صفحات طلب فيها من جميع الذين يعلّمون الدين المسيحي في الكنيسة الكاثوليكية ان يعلنوا انها ضد عقوبة الاعدام. وخلال حديث البابا معنا في تلك الزيارة تناول وجهة نظره من حكم المؤبد واعتبر هذا الحكم بأنه يجعل الانسان وكأنه غير موجود . السجن المؤبد  لا يلغي جسده انما يلغيه من الوجود. وهذا الحكم في منزلة الحكم بالاعدام، ولا يتيح للسجين ان يندم على ما إقترفه ليعترف بذنبه ليسامحه الله ويعود الى الحياة. وعدَّ هذه العقوبة هي كما الإعدام ضد التعاليم المسيحية لأنها تسجن أي شخص مدى الحياة".

 بات الغاء الاعدام في لبنان بحكم الملغى في التنفيذ بفضل الجهود التي بذلها البروفسور نجار ،وجعلها شغله الشاغل في الداخل والمحافل الدولية .وبات شطب النص المتصل بتنفيذ الاعدام محسومًا، من مجلس النواب وشطب كل ما يمتّ بصِلة في تعليق المشانق. والقصاص الأقصى يكون بالحبس المؤبد، الأصعب من الاعدام، فيما يقتضي توفير ما يحدّ من الجريمة بتوفير بيئة صحية، ومجتمع سليم يسوده حكم القانون وقيام دولة القانون، اذ ذاك تنحسر الجريمة وغالبية دوافع اقترافها، ليبقى الاخطر المجرم بالفطرة. هذا النوع يشكل استثناء في لبنان لينتظره الحبس المديد.

  يعتبر البروفسور نجار ان إقرار الغاء عقوبة الاعدام هو اجمل وأكبر وسام يُعلّق على صدر لبنان. ان حضارتنا وتراثنا الثقافي والقانوني وحقوق الانسان في لبنان جديرة بطموحاتنا وتاريخنا. ففي وقت اعادت اسرائيل أخيرًا عقوبة الإعدام لتطبيقها على بعض الأسرى الفلسطينيين، نحن  في كل هذا الشرق الذي يتعذب، دولة يشرّفها ان يكون لديها توجهًا يتفق كليًّا مع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. فلبنان، وبإلحاحنا،صوّت في الجمعية العمومية للامم المتحدة على عدم القبول بإنزال عقوبة الإعدام، ومنذ عام 2004 يصوّت مع هذا الإرجاء، ما لم يكن يحصل سابقًا".

 

اقرأ المزيد من كتابات كلوديت سركيس