جرنايا تُزجّ في دائرة الخطر
جرنايا
بينما اتُّخذ قرار الحرب والسلم في لبنان بعيدًا عن إرادة اللبنانيين ومصالحهم المباشرة، وجد أبناء القرى الجنوبيّة أنفسهم، في كل محطة تصعيد، أمام المعادلة الأكثر قسوة: النزوح أو انتظار المجهول. وفي كلّ مرّة تتجدّد فيها المواجهات، يبقى المدنيون الحلقة الأضعف، إذ يدفعون أثمانًا باهظة لصراعات لا يملكون قرارها ولا يشاركون في رسم مساراتها، فيما تمتد تداعياتها إلى قرى وبلدات مدنية اختارت الدولة والشرعية نهجًا وانتماءً، لكنها تجد نفسها رغم ذلك في قلب العاصفة.
وفي هذا المشهد شديد التعقيد، تبدو جرنايا مثالًا صارخًا لقرى وادعة سُحبت قسرًا إلى قلب دائرة النار من دون أن تكون جزءًا منها أو فاعلة فيها. فبلدة هادئة بطبيعتها الاجتماعية، مدنيّة في تكوينها وابتعادها عن أي نشاط عسكري، أُقحمت فجأة أمام إنذار بالإخلاء الكامل، كأنّ الجغرافيا وحدها باتت سببًا كافيًا لزعزعة حياة كاملة، وكأنّ الهدوء لم يعد درعًا كافيًا في وجه التوترات المتصاعدة التي تجاوزت حدود القرى وخيارات سكانها.
تابعت "كافيين دوت برس" معاناة أهالي البلدة، وتواصلت مع عضو تكتل الجمهورية القوية، النائبة غادة أيوب، التي أكدت أن بلدات قضاء جزين تدفع اليوم أثمانًا باهظة نتيجة وجود "حزب الله" في المشاعات والأراضي المحيطة بها، معتبرةً أنّ جرنايا تُعد نموذجًا للبلدة المسالمة التي لم تعرف يومًا أي مظهر من مظاهر العمل المسلّح.
وأوضحت أنّ الموقع الجغرافي للبلدة، المحاذي للوديان الفاصلة بينها وإقليم التفاح، جعلها عرضةً لطلبات الإخلاء شأنها شأن عدد من البلدات المجاورة، رغم أنّ سكانها مدنيّون لا تربطهم أي صلة بالنشاطات العسكريّة، لافتةً إلى أنّ كاهن الرعية وعناصر شرطة البلدية وعددًا من العائلات رفضوا المغادرة، تمسكًا بحقهم الطبيعي في البقاء داخل منازلهم.
وشددت أيوب على أنّ النازحين الذين استضافتهم جرنايا خلال الفترات الماضية كانوا من الأصدقاء والمعارف المعروفين لدى أبناء البلدة، وأنّ ما تتعرض له هذه البلدات مرفوض، لأنّ حتى بلدة بصليا تأثرت بدورها بموجة النزوح نتيجة الضربات العنيفة التي طالت محيطها، رغم عدم صدور إنذارات مباشرة بإخلائها.
ورأت أنّ معظم القرى الواقعة على تخوم إقليم التفاح تتحمل اليوم تبعات صراع فُرض عليها، وتدفع أثمان أحداث لا علاقة لها بها، مؤكدةً تمسك أبناء هذه البلدات بالشرعية اللبنانية وثقتهم الكاملة بالدولة ومؤسساتها، وفي مقدمتها الجيش اللبناني.
وأضافت "الأهالي يأملون في أن يكون الإخلاء موقتًا، وأن يتمكنوا من العودة سريعًا إلى منازلهم وأراضيهم، لأن الابتعاد عن الأرض يبقى من أقسى التجارب التي يمكن أن يعيشها الإنسان، خصوصًا بالنسبة إلى المجتمعات الريفية التي ترتبط وجوديًا بأرضها وبيوتها".
وأكدت على نحو واضح أنّ القرى المسيحيّة في المنطقة تتمسك بخيار الدولة والجيش اللبناني والشرعية الدستورية، مطالبةً ببسط سلطة الدولة الكاملة على المنطقة ورفع العلم اللبناني وحده فوق هذه القرى، بما يعكس هوية أبنائها وانتماءهم الوطني، ويؤكد رفضهم أن يكونوا وقودًا لصراعات الآخرين.
من جهته، أوضح رئيس بلدية جرنايا، جو أنطون، أنّ الإنذار الإسرائيلي الذي شمل البلدة وعددًا من القرى المجاورة أثار قلقًا واسعًا بين السكان، مشيرًا إلى أنّ لا أحد يملك حتى الآن تفسيرًا واضحًا للأسباب التي دفعت إلى إدراج جرنايا ضمن لائحة المناطق المطلوب إخلاؤها.
واعتبر أنّ شمول معظم البلدات المحيطة بالإنذار نفسه يدل على أنّ الأمر تجاوز الاعتبارات المحلية الخاصة بكل بلدة، نافياً وجود أي علاقة بين قرار الإخلاء واستضافة نازحين، ولا سيما أن بلدات أخرى، بينها كفرشلال، تلقت التحذير ذاته.
وأكد أن مغادرة المنازل، حتى لفترة قصيرة، شكّلت تجربة إنسانية قاسية نوعًا ما بالنسبة إلى الأهالي الذين اضطروا إلى ترك ممتلكاتهم وأرزاقهم خلفهم، وسط آمال بأن يتمكنوا من العودة في أقرب وقت ممكن.
ولفت أنطون إلى أنّ عدد المنازل المأهولة في صورة دائمة في جرنايا يتراوح بين 55 و60 منزلًا، موضحًا أن نحو عشرين شخصًا فقط اختاروا البقاء في البلدة رغم المخاطر، مضيفًا أن امتلاك العديد من أبناء البلدة مساكن في ضواحي بيروت أو لدى أقاربهم سهّل عملية الإيواء الموقت، إلاّ أنّ القلق الأساسي يبقى من احتمال تحوّل النزوح الموقت إلى واقع طويل الأمد.
وأنهى حديثه كاشفًا أنّه، بعد طلب الإخلاء مباشرة، تواصل مع الجيش اللبناني، فجاءه التأكيد بأن التهديد جديّ ويستدعي اتخاذ أقصى درجات الحذر وإخلاء البلدة في المرحلة الحالية. وعلى إثر ذلك، باشرت البلدية بإبلاغ السكان من منزل إلى منزل، في محاولة لضمان سلامتهم وتجنّب أي خسائر بشرية، على أمل أن تنقضي هذه المحنة سريعًا وأن يعود أبناء جرنايا إلى بيوتهم وأرضهم فور زوال الخطر.