دائرة الشوف-عاليه: تحالفات تُطبخ والصوت السُنّي بيضة القبّان

دائرة الشوف-عاليه: تحالفات تُطبخ والصوت السُنّي بيضة القبّان

دخلت دائرة جبل لبنان الرابعة (الشوف – عاليه) باكرًا في قلب الحراك السياسي المتصاعد، لتتحوّل إلى واحدة من أكثر الدوائر سخونة على الخريطة الانتخابيّة. فالمشاورات والاجتماعات، العلنيّة منها والبعيدة عن الأضواء، تكثّفت بوتيرة لافتة بين القوى الحزبيّة والشخصيّات المؤثرة، في مشهد يتجاوز حدود الاستعداد التقني للانتخابات، ليعكس سباقًا سياسيًا مبكرًا على تثبيت النفوذ العائلي وترسيم موازين القوى في برلمان يُنتظر أن يرسم ملامح مرحلة مفصليّة في تاريخ البلاد. وعليه، لم تعد المعركة مجرّد تنافس على 13 مقعدًا نيابيًا، بقدر ما هو اختبار جدي لمستقبل الجبل سياسيًا ودوره في المعادلة الوطنيّة الأوسع.
 
 في هذا الإطار، تبدو القوى السياسيّة الكبرى وكأنّها دخلت فعليًا مرحلة العدّ العكسي للاستحقاق المقبل. إذ تتعامل "القوات اللبنانيّة" مع هذا الاستحقاق على أنه واقع حتمي، وقد باشرت تحضيراتها التنظيميّة والانتخابية انطلاقًا من استراتيجية واضحة ترتكز على تثبيت المكتسبات وتوسيع دائرة الحضور السياسي. وتشير المعطيات إلى توجّه محسوم لإعادة ترشيح النائب جورج عدوان في دائرة الشوف، في خطوة تعكس تمسّك معراب بأحد أبرز أعمدتها البرلمانية في هذه الدائرة، كذلك في المقابل، يبرز توجّه لمنح ألامين العام الحزب، إميل مكرزل، فرصة الترشّح عن المقعد الماروني في عاليه، بدلًا من النائب الأرثوذكسي نزيه متّى، وذلك في إطار تحالف تقليدي ومتجدّد مع الحزب التقدمي الاشتراكي. ويأتي هذا التوجّه في سياق بحث الطرفين في إمكان استبدال المقاعد بينهما، بحيث تتولى "القوات" الترشّح عن المقعد الماروني في عاليه، مقابل انتقال المقعد الأرثوذكسي في الشوف إلى "التقدمي الاشتراكي". وهو تحالف يتجاوز الحسابات الانتخابيّة الظرفيّة، ليُشكّل أحد ركائز التوازن السياسي في الجبل.


 في المقابل، يتحرّك "التيّار الوطني الحرّ" بهدوء محسوب، متجنّبًا كشف أوراقه التحالفية، سواء في العلن أو في الكواليس. غير أنّ المؤشرات تدلّ على أنّ ماكينته الانتخابيّة بدأت بالدوران، من خلال تعيين مسؤولي تواصل وتكثيف النشاط الحزبي، اذ يتميّز بآليّة داخليّة منظّمة لاختيار مرشحيه، ما يجعل اسم النائب سيزار أبي خليل الأوفر حظًا للعودة إلى اللائحة. أمّا المقعد الكاثوليكي في الشوف والذي هو من حصّة النائب غسان عطاالله، فيبقى ساحة معركة معقّدة تخضع لحسابات دقيقة تتعلّق بفرص الاختراق والتحالفات الممكنة، في ظل إدراك واضح بأنّ أي خطأ في التموضع قد يكلّف "التيّار" ثمنًا سياسيًا مضاعفًا. وفي ما يتعلّق بحليفه النائب فريد البستاني، ورغم التباينات مع رئيس "التيار" النائب جبران باسيل، فإنّ خيار التحالف مجددًا يبقى مطروحًا، إذا ما تبيّن أنّ الحظوظ الانتخابيّة قائمة وقابلة للتحقيق.


 أمّا الحزب التقدمي الاشتراكي، فيدخل هذا الاستحقاق الانتخابي مستندًا إلى مقاربة هادئة وخبرة سياسيّة متراكمة، واضعًا في صدارة أولوياته تثبيت موقع الزعامة الدرزية وإدارة شبكة تحالفاته بأقل كلفة سياسيّة ممكنة. وتفيد المعطيات بأنّ إعادة ترشيح رئيس الحزب، النائب تيمور جنبلاط، إلى جانب النائب بلال عبد الله، محسومة، في وقت تدور  نقاشات داخليّة حول إمكان الدفع باسم كريم حمادة بدلًا من والده النائب مروان حمادة، وكذلك حول احتمال استبدال النائب أكرم شهيّب بيوسف دعيبس، الذي سجّل حضورًا متزايدًا إلى جانب شهيّب في مناسبات سياسيّة واجتماعيّة خلال الفترة الماضية.
 
 غير أنّ مصادر مطّلعة تشير إلى أنّ النائب جنبلاط لا يُبدي حماسة لخيار ترشيح نجل النائب حمادة، مفضّلًا دعم مستشاره حسام حرب، نجل القيادي في الحزب رجا حرب، انطلاقًا من موقف مبدئي يرفض التوريث السياسي. ويأتي ذلك على الرغم من أنّ اسم يوسف طعمة، نجل النائب السابق نعمة طعمة، كان مطروحًا للترشّح عن المقعد الكاثوليكي، إلاّ أنّ التزاماته المهنيّة في المملكة العربيّة السعوديّة تجعل خوضه المعركة الانتخابية أمرًا مستبعدًا. وقد انعكس هذا المشهد إرباكًا داخل القاعدة الحزبية، حيث يرى عدد من المحازبين أنّ ترشيح شخصيّة من عائلة سياسيّة عريقة(حماده) يشكّل بحدّ ذاته عنصر جذب انتخابي، لما يحمله الاسم العائلي من رمزية تاريخية قادرة على استقطاب الأصوات، ولا سيّما في سياق السعي إلى استعادة بعد رمزي داخل الطائفة الدرزية، علمًا أنّ انطلاقة الإمارة الدرزية كانت من بعقلين.
 
 وفي موازاة ذلك، تفيد معلومات بتوجّه لدى النائب السابق وليد جنبلاط لإعادة تموضع جزء من الأصوات الدرزية، من خلال تفضيل دعم النائب السابق طلال أرسلان على حساب النائب التغييري مارك ضو، في خطوة تحمل دلالات سياسيّة واضحة وتعكس خيبة أمل من أداء قوى التغيير داخل المجلس النيابي. وضمن هذا الإطار، يُعمل داخل "اللقاء الديمقراطي" على بلورة لائحة انتخابيّة قد يتصدّرها النائب السابق طلال أرسلان، مع بحث إمكان ترشيح نجله مجيد أرسلان في دائرة حاصبيا، مستفيدًا من شبكة علاقات عائليّة وسياسيّة وازنة، ولا سيّما أنّ والدته هي شقيقة المصرفي والمرشح السابق مروان خير الدين، فضلًا عن احتمالات تأمين أصوات إضافية، من بينها أصوات من الطائفة الشيعيّة.

وبين الحسابات التقليديّة والرهانات الجديدة، تتحرّك قوى وشخصيات أخرى على هامش المشهد. من بينها هادي وهّاب، نجل النائب السابق وئام وهّاب، الذي يتعلّق ترشيحه بقدرته على الانضمام إلى لائحة قادرة على تحقيق الحاصل الانتخابي، في ظل شبه حسم للمقاعد الدرزية الأساسية. كما برزت محاولات لإعادة تجميع قوى معارضة من خارج الاصطفافات الكلاسيكية، مستفيدة من تراجع وهج التغيير الذي بلغ ذروته في انتخابات 2022، قبل أن يصطدم بواقع الأداء النيابي وخيبات الشارع، ولا سيّما داخل البيئة الدرزية.
 
 ومن بين الأسماء المسقلّة، يبرز اسم الصحافي طوني بولس، الذي دخل على خط التحرّك الانتخابي بحثًا عن لائحة ذات طابع سيادي ووطني، بعيدةً كل البعد عن منطق المحاصصة. غير أنّ هذا الخيار يبقى رهينة طبيعة التحالفات الكبرى، لا سيّما في حال قرّرت "القوات اللبنانية" المضي في شراكات انتخابية مع قوى السلطة التقليدية، رغم قرب بولس العلني من خط ونهج معراب. وعلى الخط ذاته، برز أيضاً اسم عادل فيصل أرسلان، الذي باشر نشاطًا سياسيًا منظّمًا، ساعيًا إلى تشكيل لائحة من شخصيات فاعلة في الشأن العام، في محاولة لإعادة الحضور السياسي لاسم فيصل أرسلان في العمل النيابي، مع تأكيد واضح على الابتعاد عن أي تحالف مع أحزاب دمّرت لبنان.
 
 
العقدة السُنّية: بيضة القبّان

 غير أنّ العقدة الأكبر، وربّما العامل الحاسم في معركة الشوف – عاليه، تبقى عند الصوت السُنّي، الذي لم يستقر بعد على خيار واضح. ففي إقليم الخروب، لا يزال المشهد ضبابيًا، مع قابليّة عالية لتشتّت الأصوات كما حصل في الدورة السابقة. وتبرز بلدتا شحيم وبرجا ككتلة ناخبة وازنة من 37 ألف صوت قادرة على قلب النتائج، في ظل غياب أسماء سُنّية محسومة حتى اللحظة. وبينما تبدو لائحة الاشتراكي – القوات الأوفر حظًا لحصد المقعد السُنّي الأول، يبقى المقعد الثاني مفتوحاً على احتمالات متعدّدة، قد تتّجه إمّا نحو قوى التغيير أو نحو لوائح مدعومة من "التيار الوطني الحرّ".

 غير أنّ كل هذه الحسابات قد تنقلب رأساً على عقب في حال قرّر الرئيس سعد الحريري العودة إلى العمل السياسي. فعودة كهذه من شأنها إحداث زلزال انتخابي حقيقي، يعيد تجميع الصوت السُنّي خلف تحالف اشتراكي – قواتي – مستقبل، ويمنح هذا الثلاثي قدرة شبه محسومة على انتزاع المقعدين السُنّيين، وإعادة رسم الخريطة السياسيّة في الجبل، بما يتجاوز حدود دائرة الشوف – عاليه إلى المشهد الوطني الأوسع.

 في المحصّلة، تبدو معركة الشوف – عاليه أبعد من مجرّد استحقاق انتخابي دوري، إذ تختزن في طياتها صراعًا مبكرًا على اتجاه المرحلة المقبلة، وعلى هوية التمثيل السياسي في واحدة من أكثر المناطق حساسيّة في لبنان. وبين تحالفات راسخة، ومحاولات اختراق، وانتظار متغيّرات كبرى قد تعيد خلط الأوراق، يبقى الجبل مرآة دقيقة للتبدلات السياسيّة، ومختبرًا حقيقيًا لقياس قدرة القوى التقليديّة والتغييريّة على حدّ سواء على قراءة المزاج الشعبي، وترجمته نفوذًا داخل البرلمان المقبل.

 

اقرأ المزيد من كتابات كارين القسيس