بين هدنة هشة وطبيعة مفتوحة رحلات الأمل في زمن الهدنة
عادت الحافلات تمتلىء من جديد، وعادت معها الرحلات إلى الجبال والشلالات والأسواق القديمة، بعدما فرضت الحرب على كثير من اللبنانيين البقاء داخل دائرة الخوف والتوتر لأشهر طويلة. ومع الهدنة، بدأت الأنشطة الخارجية تستعيد جزءًا من حركتها، لتتحول الرحلات ورياضة المشي في الطبيعة (الهايكنغ) بالنسبة الى البعض مساحة للهروب من ضغط الحرب ومحاولة استعادة الحياة اليومية.
وفي هذا الإطار، يؤكد منظم الرحلات السياحية الداخلية عمر مطر، في حديث لـ"كافيين دوت برس"، أن الحركة عادت تدريجيًا إلى الرحلات، خاصة نحو المناطق التي يعتبرها الناس أكثر أمانًا، مثل الشمال والشوف وراشيا، مشيرًا إلى أن الرحلات توقفت لفترة قصيرة مع بداية الحرب قبل أن تعود تدريجيًا مع الهدنة.
ويشير إلى أن المناطق الشمالية تشهد إقبالًا واضحًا، لافتًا إلى تنظيم رحلات إلى "طرابلس، بالوعة بلعة، دومة، مار شربل، أرز الرب وجبل الأربعين"، فيما توقفت الرحلات إلى المناطق الجنوبية بسبب الأوضاع الأمنية، مضيفًا أن التركيز حاليًا يبقى على "المناطق الآمنة أكثر من غيرها".
ويرى مطر أن الناس لم تعد تبحث فقط عن التنزه، بل عن فرصة للهروب من ضغط الحرب وتغيير الأجواء، قائلًا إن المشاركين "ينجذبون إلى الأجواء والأشخاص المشاركين في الرحلات، خاصة عندما تتضمن نشاطات بحرية أو جبلية أو ترفيهية".
ورغم استمرار بعض الخوف والتردد لدى جزء من الناس، يؤكد مطر أن الإقبال عاد تدريجيًا خلال الفترة الأخيرة، موضحًا أن بعض الأشخاص لا يزالون يشعرون بالخوف، في حين أن آخرين عادوا إلى المشاركة في شكل طبيعي.
أما من الناحية الاقتصادية، فيشير مطر إلى أنه يحاول مراعاة الظروف المعيشية الصعبة من خلال الحفاظ على أسعار مدروسة تناسب مختلف الفئات، موضحًا "كانت الرحلة تكلّف تقريبًا 10 دولارات للشخص، أما اليوم فأصبحت بحدود 12 دولارًا". ويلفت إلى أن المشاركين ينتمون إلى فئات عمرية متنوعة تختلف بحسب طبيعة الرحلة، مشيرًا إلى أن الرحلات الترفيهية تستقطب فئة الشباب، بينما تجذب الرحلات إلى المقامات والأماكن الدينية أشخاصًا أكبر سنًا.
ويعتبر مطر أن الاستمرار في هذا القطاع لم يعد مجرد خيار، بل ضرورة معيشية أيضًا، قائلًا "لا يمكن للإنسان أن يتوقف عن العمل في ظل وجود التزامات ومسؤوليات معيشية"، مضيفًا أن الاستمرار بالعمل حتى وسط الظروف الصعبة بات جزءًا من محاولة التكيّف مع الواقع اليومي.
ولا تقتصر مؤشرات عودة النشاط على منظمي الرحلات فحسب، بل تظهر أيضًا في المناطق الطبيعية والسياحية التي بدأت تستعيد جزءًا من حركتها بعد الهدنة. وفي هذا السياق، يؤكد مسؤول الأنشطة في أرز إهمج دنيال ضاهر أن المنطقة شهدت عودة واضحة للحركة السياحية خلال الفترة الأخيرة.
ويقول "لاحظنا عودة واضحة للحركة السياحية والنشاطات في أرز إهمج بعد فترة الهدوء النسبي. الناس أصبح لديها رغبة أكبر بالخروج إلى الطبيعة والبحث عن أماكن تمنحها الراحة والهواء النظيف، وهذا انعكس على عدد الزوار والمشاركة في النشاطات". ويشير إلى أن أكثر النشاطات المطلوبة حاليًا تشمل "الهايكنغ، والمشي داخل المحمية وغابات الأرز، والرحلات العائلية، والتخييم، والتصوير في الطبيعة، إضافة إلى الزيارات التي تجمع بين الاستكشاف والاستراحة بعيدًا عن ضغط المدن".
ويلفت ضاهر إلى أن الزوار يأتون من مختلف المناطق اللبنانية، موضحًا "نستقبل زوارًا من بيروت وجبيل وكسروان والشمال، ولاحظنا أيضًا اهتمامًا من أشخاص يزورون المنطقة للمرة الأولى، بينهم عائلات من مناطق تأثرت بالأحداث أو من الجنوب، بهدف اكتشاف مكان جديد وقضاء وقت هادئ في الطبيعة".
ويرى أن الإقبال المتزايد على الطبيعة يرتبط بالحاجة إلى استعادة التوازن النفسي بعد فترات التوتر، "هذه النشاطات تمنح شعورًا بالحرية والهدوء وتساعد على استعادة التوازن النفسي والجسدي، خصوصًا بعد فترات من القلق والتوتر".
وعن شعور الناس بالأمان، يقول ضاهر "كثير من الزوار يشعرون براحة أكبر خلال هذه المرحلة، لكن يمكن القول أيضًا إن البعض يحاول الاستفادة من فترات الهدوء للقيام بنشاطات وتأجيل الإحساس بالضغط اليومي، وهذا أمر طبيعي". ويلفت الى ان "الحرب أثّرت في شكل مباشر على الحركة السياحية سابقًا. كانت الأجواء أكثر حذرًا، أما اليوم فهناك عودة تدريجية للحياة والنشاط، مع رغبة واضحة عند الناس بالعودة إلى اللقاء والطبيعة والتجارب الإيجابية".
ويختم ضاهر بالتأكيد على أهمية هذه النشاطات نفسيًا واجتماعيًا، "هذه النشاطات لا تقتصر على الترفيه فقط، بل تساعد الناس على التنفّس والتخفيف من الضغط واستعادة جزء من حياتهم الطبيعية، كما تعزز التواصل مع الآخرين ومع الطبيعة".
وفي موازاة عودة الرحلات المنظمة إلى مختلف المناطق اللبنانية، يرى خليل الجميّل، وهو شاب ناشط في رحلات الهايكنغ والتخييم، أن الطبيعة أصبحت بالنسبة الى الكثير من الشباب وسيلة للهروب من ضغط الحرب والتمسّك بالأمل، ولو لساعات قليلة.
ويقول: "أنا وأصدقائي نقوم دائمًا برحلات ومغامرات في الطبيعة، وبعضها يكون ترفيهيًا وبعضها الآخر يحمل طابعًا دينيًا وروحيًا". ويضيف "أردنا أن نشكر السيدة العذراء على كل شيء، ولم نجد وقتًا أفضل من شهر العذراء، لذلك قررنا أن نقوم بما كان يفعله أجدادنا وآباؤنا، وأن نسير من بكفيا إلى حريصا".
ويتابع "كنّا نخطط لأن يشارك معنا أشخاص آخرون، وكان هناك نادٍ في بترغرين والرعيّة يرغب أيضًا في القيام بهذه المسيرة. وبما أن الطريق طويلة وخطرة وفيها كلاب شاردة، قررنا أن نقوم بها معًا حتى يكون عددنا أكبر". ويشير إلى أن عدد المشاركين تجاوز الخمسين شخصًا، فيما استغرقت الرحلة نحو سبع ساعات لمسافة بلغت 31.1 كيلومترًا.
ويقول الجميّل "كانت تجربة روحية وجميلة جدًا في ظل هذه الأوقات الصعبة والحرب، لتعطي أملًا وتدفعنا إلى عدم الاستسلام مهما كانت الأيام قاسية". ويضيف: "القيام بشيء باسم السيدة العذراء منحنا القوة لنكمل مهما شعرنا بالتعب".
وعن علاقته بالطبيعة، يقول "أنا وأصدقائي نحب الطبيعة، ونواظب دائمًا على القيام برحلات هايكنغ وتخييم، وحتى بعد يومين لدينا رحلة تخييم جديدة". ويوضح أن نشاطاتهم تشمل مناطق لبنانية مختلفة، منها الكورة، بسكنتا، حريصا، إهدن، كفردبيان، زعرور، عميق، تعنايل، جونية، حدث الجبة، بشرّي، دوما، شوّان وناعس. نختار أماكن عشوائية في لبنان لاكتشافها والعيش في اللحظة، لأن كل شيء في هذا البلد أصبح غير مؤكد".
ويشير إلى نشاط المجموعة ضمن "كاريتاس لبنان"،إحدى واجباتنا "هي أن نعطي الأمل للناس، وبما أننا نقوم برحلات الهايكنغ كهواية، نحاول أن نظهر أن الأمل لا يزال موجودًا لدى الشباب حتى في أصعب الظروف".


