من الركض إلى الهايكينغ شباب الكورة يصنعون مجتمعًا خارج الشاشات

من الركض إلى الهايكينغ شباب الكورة يصنعون مجتمعًا خارج الشاشات

في وقت تتزايد المبادرات الشبابية التي تشجّع على تبنيّ أسلوب حياة أكثر نشاطًا، برزت في الكورة تجارب تجمع بين الرياضة والتواصل الاجتماعي واكتشاف المنطقة. فمن الركض الجماعي إلى رحلات الهايكينغ، يسعى شبان وشابات إلى إعادة ربط الناس بمحيطهم وتشجيعهم على تبني عادات صحية بعيدًا عن الروتين اليومي. 

يجتمع مؤسسو "Run Club Koura"، جاد طنوس، وماري-ميشال الحايك، وشربل كليعاني، على هدف واحد يتمثل في تحويل الركض من مجرد نشاط رياضي إلى مساحة تجمع أبناء الكورة وتشجعهم على إعادة اكتشاف منطقتهم وبناء علاقات اجتماعية جديدة. 

image.png 192.47 KB
 

وفي هذا السياق، يقول جاد طنوس "أحببنا أن ننشئ نشاطًا في الكورة يجمع الشباب والشابات في مكان واحد. فالكثير من الشباب يهاجرون أو يعيشون خارج المنطقة، ورأينا أن الركض في الكورة قد يساعدهم على إعادة التعلّق بها، وأن يجدوا نشاطًا يمارسونه هنا من دون الحاجة إلى التوجه إلى مناطق أخرى لتغيير الأجواء، وفي الوقت نفسه يتعرفون إلى شوارع وبلدات جديدة." 

ويضيف "الفكرة نجحت منذ أول جولة ركض، وفي كل مرة ينضمّ إلينا أشخاص جدد. والدليل أن المشاركين يعودون الى المشاركة مجددًا، وأن الأعداد تزداد باستمرار". كذلك يشير إلى أن الجولات أصبحت وسيلة للتعريف بالكورة، "هذه الجولات تعرّف الناس إلى الكورة وإلى معالمها، وأكبر دليل أن كثيرين لم يكونوا يعلمون بوجود معبد ناووس الروماني قبل أن نزوره ضمن إحدى الفاعليات." 

image.png 268.73 KB
 

ويتابع "هذه المبادرة تجمع بين الجانب الرياضي وبناء مجتمع، حيث يتعرف المشاركون إلى أشخاص يشبهونهم ويحبون الركض مثلهم. وما يميزنا أننا نحب أن نركض في كل قرية في قضاء الكورة حتى نصل إلى أكبر عدد ممكن من الناس، ولا نبقى مرتبطين بمسار واحد". ويضيف "هناك أشخاص لم يسبق لهم أن ركضوا في حياتهم، لكنهم تشجّعوا بسبب النادي، وأصبحوا يسألوننا متى سيكون الحدث المقبل ليشاركوا من جديد". ويختم "نسعى إلى الركض في جميع بلدات الكورة والوصول إلى أكبر عدد ممكن من الناس، ونعمل على تنظيم فاعليات متنوعة حتى تبقى التجربة متجددة ولا تقتصر على فكرة واحدة." 

من جهتها، ترى ماري-ميشال الحايك "صحيح أن نوادي الركض أصبحت رائجة اليوم في لبنان، لكن من الجميل أن نرى الناس تتبع توجهًا صحيًا يدفعها إلى النشاط والخروج إلى الطبيعة. يكفي أن تمشي عشر دقائق في الطبيعة لتشعر بأنك تجددت واسترخيت، ومن الرائع أن نرى أبناء جيلنا يختارون مثل هذه الأنشطة." 

وتضيف "من أكثر الأمور التي لفتتني أن من النادر أن ترى شخصًا يحمل هاتفه إلا لالتقاط صورة أو توثيق لحظة جميلة، بينما يكون الجميع منشغلًا بالتواصل مع بعضه البعض. نحن في حاجة أحيانًا إلى هذا الانفصال عن الهاتف، خصوصًا عندما نكون محاطين بأشخاص يشاركوننا الاهتمامات نفسها." 

وتؤكد "في كل نشاط نجمع بين 40 و80 شخصًا، وهذا أمر جميل، لأن كثيرين لا يتشجعون على المشي أو الركض بمفردهم، بينما يشعرون براحة أكبر عندما يكونون ضمن مجموعة". وتختم "قد تكون هذه الظاهرة رائجة اليوم، لكنها ظاهرة صحية لا تؤذي أحدًا، بل تفيد الناس نفسيًا وجسديًا. وهي ليست مجرد ساعة تنتهي، بل استثمار في النفس على المستوى النفسي والجسدي والاجتماعي." 

ومن الركض إلى المشي في أحضان الطبيعة، تواصل مجموعة "Marchons la Main dans la Main" تقديم تجربة مختلفة انطلقت من الكورة قبل أكثر من عقد، لتتحول إلى مساحة تجمع عشرات محبي الهايكينغ من مختلف المناطق اللبنانية مع بقاء الكورة الحاضنة الأساسية لمعظم المشاركين. 

 

IMG_8856.jpeg 193.96 KB

ويستعيد أحد مؤسسيها، طوني راشد، البدايات "نحن مجموعة صغيرة من أربعة شباب، بدأنا الفكرة عام 2014، لكن انطلاقتنا كانت من العمل الكشفي الذي علّمنا الالتزام وأن أي عمل يجب أن نعطيه حقّه حتى ينجح". ويضيف "نحن من شكا جارة الكورة، وفي البداية كنا نخرج للمشي فقط ولم نكن نعرف حتى مصطلح الهايكينغ، بل كنا نسميه "مارش"، ثم اكتشفنا أنها رياضة تتيح للإنسان أن يرى الطبيعة، ويمارس الرياضة، ويتنفس الهواء النظيف في الوقت نفسه." 

ويتابع "بدأنا بتنظيم الرحلات مع العائلة والأصدقاء والجيران، وكنا نسير أيام الأحد وأحيانًا بعد ظهر السبت لنكتشف ما يحبه الناس وما يناسبهم، ثم أخذت الفكرة تكبر تدريجاً". ويؤكد أن الكورة بقيت الركيزة الأساسية للمجموعة، "لدينا مشاركون من شكا، وكفرحزير، وأميون، وكفرحاتا، وكفريا، وضهر العين، وبصرما، ومن معظم بلدات الكورة تقريبًا، ولا تزال الأغلبية من الكورة، رغم أن هناك أشخاصًا من مختلف المناطق اللبنانية ينضمون إلينا ويشاركون معنا في الرحلات." 

وعن الرسالة التي يحملها النشاط، يقول راشد: "هدفنا أن يلامس كل شخص الأرض بقدميه، ويتنفس الأكسجين النظيف، ويعيش هذه الروح، ويتعلق بوطنه ويكتشف أرضه". ويلفت إلى أن المجموعة شهدت نموًا مستمرًا خلال السنوات الماضية، موضحاً "أحيانًا يشارك معنا عشرون شخصًا، وأحيانًا ثلاثون أو خمسون أو ستون، وقد وصل العدد في بعض الرحلات إلى مئة مشارك." 

ويشير أيضًا إلى أن الهايكينغ أصبح نشاطًا يجمع مختلف الفئات العمرية، فيقول "لدينا أشخاص تجاوزوا السبعين من العمر ولا يزالون يمشون بحيوية كبيرة". ويضيف "في البداية كنا نسير لمسافات تصل إلى 14 و15 كيلومترًا، أما اليوم فنفضل ألا تتجاوز الرحلات عشرة كيلومترات حتى يتمكن الجميع من المشاركة مهما اختلفت أعمارهم وقدراتهم." 

أما عن الوجهات، فيؤكد "جُلنا في معظم المناطق اللبنانية، من القبيات وإهدن وتنورين شمالًا، مرورًا بجبال كسروان وصنين والبترون والشوف، وصولًا إلى راشيا". كما يشير إلى أن المجموعة لا تقتصر على رحلات المشي التقليدية، موضحاً "ننظم أيضًا مخيّمين كل عام، أحدهما على الثلج خلال الشتاء، والآخر في نهاية الصيف، لنمنح المشاركين فرصة لقضاء وقت أطول في الطبيعة وخوض تجربة مختلفة." 

ويشدد راشد على أن نشاطهم يستمر طوال العام، "نحن نمشي في الشتاء كما في الصيف، ونسير حتى على الثلج وتحت المطر، لكن دائمًا بطريقة سليمة ومع انتباه كامل إلى سلامة جميع المشاركين". ويضيف "شعارنا هو أن نمشي يداً بيد، فنحن نهتم ببعضنا البعض على الطريق ونساعد بعضنا عند الحاجة ونسير بطريقة منظمة وآمنة." 

ويختم بالتأكيد أن المبادرة لا تقوم على أهداف تجارية، قائلًا: "هدفنا ليس الربح المادي، بل أن تستمر هذه الفكرة وأن يستفيد الناس من خبرتنا. ولكل منطقة في لبنان وقتها المناسب للمشي، سواء على الساحل أو في الجبال أو في المرتفعات، ونحن نحرص على اختيار التوقيت الذي يتيح للمشاركين الاستمتاع بأجمل ما تقدمه الطبيعة في كل فصل من فصول السنة." 

 

اقرأ المزيد من كتابات جاكي مرعب