بين البنك الدولي والواقع الأمني: مفارقات إعادة إعمار لبنان
الدمار جنوبًا ( الوكالة الوطنية )
تطلّ عملية إعادة إعمار لبنان، خاصة في جنوبه المدمّر، كواحد من أكثر التحديات تعقيدًا في المنطقة اليوم. فهي ليست مجرد استعادة لجسور مقطوعة وبيوت مهدمة، بل هي امتحان وجودي لقدرة الكيان اللبناني على توحيد رؤى مؤسساته واستقطاب ثقة المجتمع الدولي في بيئة تشوبها تحديات سياسية واقتصادية وأمنية غير مسبوقة.
وفي خضمّ هذا التناقض، يطفو على السطح سؤالٌ جوهريّ حول الثقة المفقودة بين المجتمع الدولي والمؤسسات اللبنانية، ليحوّل قضية الإعمار من مجرد عملية هندسية إلى اختبارٍ مصيريّ لإرادة الإصلاح وقدرة النظام على تجاوز أزمات الحوكمة. هكذا تُقدّم قصة إعمار الجنوب نموذجًا مكثّفًا للصراع بين التخطيط المركزي والواقع الميداني، وبين الحاجة العاجلة للبناء واشتراطات الإصلاح الجذري، في مشهدٍ يختزل إشكاليات لبنان الكبرى وآفاق مستقبله.
كشف الأمين العام لمجلس الإنماء والإعمار غسان خيرالله لـ"كافيين دوت برس"، عن الإطار التنظيمي المعتمد لتوجيه أولى حزم التمويل، والتي يمثلها قرض البنك الدولي البالغ 250 مليون دولار من أصل مليار دولار تُقدّر كتكلفة أولية للأضرار. وبناءً على قرار مجلس الوزراء رقم 4، تم وضع آلية تعتمد على ثلاثة مؤشرات أساسية لتحديد المناطق ذات الأولوية في التدخل:
-مؤشر عدد السكان: يُعطي وزنًا أكبر للمناطق ذات الكثافة السكانية الأعلى قبل العدوان.
-مؤشر الوضع الاقتصادي: يُركز على المناطق التي كان النشاط الاقتصادي فيها أكثر اتساعًا ودينامية.
-مؤشر مستوى الدمار: يعطي أولوية أعلى للمناطق التي لحق بها دمار أقل، في مقاربة تهدف إلى تحقيق أقصى استفادة من الموارد عبر التدخل في المناطق الأكثر قابلية للتعافي السريع.
هذه الآلية تنطلق من توجهين رئيسيين: الأول هو اعتماد مقاربة جغرافية متكاملة، حيث يتم تحديد منطقة جغرافية ذات أولوية ثم معالجة جميع القطاعات فيها (مياه، كهرباء، مدارس، مستشفيات) بشكل متزامن، وليس العمل قطاعًا تلو الآخر. التوجه الثاني هو اعتماد مقاربة اقتصادية صرفة، تهدف إلى ضمان أن يكون للتدخل أعلى جدوى اقتصادية ممكنة، وذلك لإطلاق دينامية تعافي تعتمد على وضع المنطقة قبل الحرب وقابليتها للنمو.
ولضمان النزاهة، أشار خيرالله إلى أن تنفيذ المشروع سيكون خاضعًا لأعلى معايير الشفافية وفق اتفاقية البنك الدولي، مع نشر جميع المعلومات على المواقع الإلكترونية المخصصة، وتشكيل فريق لمتابعة الشكاوى، والتعاقد مع شركة دولية مستقلة للتدقيق. وبخصوص التساؤل عن آليات جديدة أو صندوق خاص، كان الرد واضحًا بأن هذا القرار يقع ضمن صلاحية مجلس الوزراء وحده.
حدود المسؤولية وعقبات الواقع
بينما تُرسم الخطط في المكاتب الوزارية، يبرز الواقع الميداني بكل تعقيداته، كما يوضحه المكتب الإعلامي لوزارة الأشغال العامة لـ"كافيين دوت برس". فالمسؤولية الرسمية للوزارة، محصورة بشكل صارم في إعادة تأهيل الطرقات الرئيسية والجسور والوصلات التي تربطها بالجنوب. أما إعادة إعمار القرى من الداخل، فهي من صلاحية "جهات أخرى"، هذا التقسيم الإداري الدقيق يخلق فجوة تنفيذية بين التخطيط المركزي الشامل الذي يتحدث عنه مجلس الإنماء والواقع المحدود لوزارة الأشغال على الأرض.
يزيد من هذه الفجوة عائقان عمليّان كبيران تذكرهما الوزارة: الأول منهجي، حيث يتطلب العمل السليم إنجاز البنية التحتية التحتية (كشبكات الصرف الصحي والكهرباء) أولًا، قبل الشروع بالأعمال السطحية للطرق، وهو تسلسل لم يكتمل بعد في معظم المناطق المتضررة. والثاني أمني، يتمثل في وجود مناطق لا تزال خارج النطاق الآمن أو يتعذر الوصول إليها، مما يجعل أي عمل هندسي فيها مستحيلًا في الوقت الراهن. هذان العائقان يحولان دون تحويل آلية الأولويات النظرية إلى فعل ملموس على الأرض في كثير من الحالات.
شرط الثقة المفقودة: الإصلاح أولاً
يأتي تحليل الخبير الاقتصادي نسيب غبريل ليربط الخيوط بين الجانب التقني والواقع السياسي الأوسع. ويشير غبريل لـ"كافيين دوت برس"، إلى مفارقة أساسية: فبينما كانت إعادة إعمار 1996 و2006 تعتمد على التمويل الخارجي أيضاً، إلا أن الثقة الدولية بالمؤسسات اللبنانية كانت أعلى، والوضع المالي للدولة كان أفضل. اليوم، وبعد سنوات من الأزمات المتلاحقة، يجد لبنان نفسه في الثلث الأخير في تصنيفات الشفافية الدولية، مما يجعل المانحين الدوليين حذرين للغاية.
هذا التشخيص يقود إلى معادلة واضحة في تحليل غبريل: لا إعمار بلا إصلاح. يربط الخبير بشكل وثيق بين أي تمويل مستقبلي كبير وبين مسارين متلازمين: الأول سياسي-أمني ويتمثل في بسط سلطة الدولة وحصر السلاح بيدها، والثاني اقتصادي ويتمثل في التوصل لاتفاق مع صندوق النقد الدولي يفتح الباب لإصلاحات هيكلية. فقط عند تحقيق تقدم ملموس على هذين المسارين، يمكن توّقع تدفق التمويلات الدولية الكبيرة والاستثمارات العربية.
في مواجهة هذه المعضلة، يطرح غبريل نموذجاً بديلاً قد يشكل جسراً عملياً: مشاريع "تسليم المفتاح" التي تتولى فيها شركات دولية متخصصة تنفيذ المشاريع من التصميم حتى التسليم النهائي، مع ضمان وصول التمويل مباشرة إليها دون المرور بالبيروقراطية الحكومية. هذا النموذج، وإن كان يحمل في طيّاته إشكالات تتعلق بالسيادة والتدخل الخارجي، إلا أنه قد يشكل حلاً مرحليًّا لبدء عملية الإعمار في ظل الشكوك الحالية حول قدرة المؤسسات المحلية على الإدارة الشفافة.
ترسم التصريحات الرسمية والتحليلات صورة لواقع لبناني معقد، حيث تتداخل الحاجات العاجلة للمواطنين مع شروط المانحين الدوليين، وتتقاطع الخطط التقنية مع العوائق السياسية. آلية الأولويات التي وضعها مجلس الإنماء تمثل خطوة تقنية ضرورية لترشيد الإنفاق ضمن الموارد المحدودة المتاحة حالياً، لكنها تبقى مجرد جزء من معادلة أكبر.
جوهر التحدي، كما يبين تحليل غبريل، يكمن في أزمة ثقة عميقة تحتاج إلى معالجة جذرية. فإعادة الإعمار في لبنان اليوم ليست مسألة هندسية أو مالية فحسب، بل هي بالدرجة الأولى اختبار لقدرة النظام السياسي على إجراء إصلاحات حقيقية تفتح الباب للتمويل الدولي. قد تشكل مشاريع "تسليم المفتاح" والآليات التقنية المتوازنة حلاً مرحلياً لبدء العمل، لكن الاستدامة الحقيقية لإعادة الإعمار تتطلب تغييراً أعمق في نظام الحوكمة والشفافية.
بين أنقاض الجنوب، يرقد اختبار مصيري للبنان: هل يمكن تحويل كارثة الدمار إلى فرصة لبناء نموذج جديد، أم ستكرس عملية الإعمار ذات العلاقات والمسارات التي أوصلت البلاد إلى ما هي عليه؟ الإجابة على هذا السؤال ستحدد ليس فقط شكل القرى المعاد بناؤها، بل ومستقبل الدولة اللبنانية ككل في مرحلة ما بعد الحرب.


