مقاعد شاغرة وفرص ضائعة: شلل هيئة البترول يهدّد "خشبة خلاص" لبنان
على مقعد الانتظار الإصلاحي، يترنّح ملف النفط والغاز اللبناني، وهو المشروع الوطني الذي قُدِّر له أن يكون حبل النجاة من الأزمات الاقتصادية المتلاحقة، على هاويةٍ من الشلل المؤسسي والتراخي السياسيّ. فبدلًا من أن يشق طريقه كمنفذٍ مضمون نحو الاستقرار المالي والتنمية، تحول إلى مرآةٍ عاكسةٍ لكل علل الدولة الحديثة: تعطيل القرار، تغليب الحسابات الضيقة على المصلحة العامة، وهجرة العقول التي تخلّفت عن ركب التحول من مرحلة التخطيط إلى مرحلة التنفيذ والإدارة الرشيدة.
وفي صلب هذه الأزمة الشاملة، تستمر معضلة "هيئة إدارة قطاع البترول"، الهيئة الناظمة والرقابية العليا، في إفراغ الملف من أي مضمون حقيقي، وتعرقل دوره الحيوي في لحظة مصيرية تبحث فيها البلاد عن بصيص أمل ملموس، حيث يُفاقم الشغور المزمن في عضوية مجلس إدارتها، منذ أكثر من ثلاث سنوات، من ترهُّل المؤسسة وعجزها عن لعب الدور المنوط بها في مراقبة عقود الاستكشاف والتأكد من حماية مصالح الدولة.
تأسست الهيئة عام 2012 لتكون الذراع الفنيّ المستقلّ لإدارة وتنظيم قطاع البترول الوليد في لبنان. غير أن العاصفة الاقتصادية التي ضربت البلاد بعد 2019 دفعت ثلاثة من أعضائها الستة وهم: وليد نصر (وحدة التخطيط الاستراتيجي)، ناصر حطيط (الشؤون الفنية)، وعاصم أبو إبراهيم (وحدة الجودة والسلامة والبيئة)، إلى تقديم استقالاتهم والهجرة بحثًا عن فرص أفضل، بحسب ما تكشف مصادر متابعة للملف لـ"كافيين دوت برس". ليبقى الأعضاء الثلاثة ألاخرون: كابي دعبول (الشؤون القانونية)، وسام شباط (الجيولوجيا)، وسام الذهبي (الشؤون الاقتصادية)، يديرون الوحدات الشاغرة بالإضافة إلى مهامهم الأصلية، فيما تُسلّم رئاسة مجلس الإدارة، خلافًا لآلية الدورة الأبجدية، إلى كابي دعبول بصفته الأكبر سنًا.
اليوم، وبعد أكثر من ثلاث سنوات على بدء الشغور، ومع دخول مرحلة جديدة في عمليات الاستكشاف بعد ترسيم الحدود البحرية، لا تزال مقاعد الوحدات الثلاث الشاغرة بلا أصحاب، مما يشلّ قدرات هيئة يفترض أن تكون في ذروة عملها لمراقبة عقود الاستكشاف والتفاوض على أفضل الشروط للدولة.
فريق منقوص في لحظة مصيرية
يكشف مصدر لـ"كافيين دوت برس" أن وزارة الطاقة والمياه أنهت منذ شهر كانون الأول 2025 وضع الشروط والمعايير الخاصة بتعيين ثلاثة أعضاء متفرغين جدد، من داخل أو خارج الملاك، وفق الأطر القانونية. ويوضح المصدر أن ولاية الأعضاء الثلاثة الحاليين لم تنته بعد، بينما يُنتظر أن تفتح وزارة التنمية الإدارية باب الترشيح عبر موقعها الإلكتروني "في الأيام المقبلة".
ويُجهد وزير الطاقة جو الصدّي، بحسب المصدر نفسه، للإسراع في هذا الملف نظرًا إلى أهمية دور الهيئة في ملف التنقيب عن النفط، خاصة أن الوحدات الشاغرة: التخطيط الاستراتيجي، والشؤون الفنية، والجودة والسلامة، تلعب دورًا رئيسيًا في هذا الملف.
فوحدة التخطيط الاستراتيجي هي المسؤولة عن وضع خطط الاستكشاف والدراسات الاقتصادية وسبل تعظيم عائدات الدولة. ووحدة الشؤون الفنية والهندسية تتولى كل الجوانب التقنية للأنشطة البترولية. أما وحدة الـQHSE فتراقب مدى التزام الشركات المشغّلة بمعايير السلامة والبيئة وجودة الأنظمة. غياب هذه الوحدات عن العمل بكامل طاقتها يعني فجوة رقابية وتخطيطية خطيرة في وقت تدخل فيه البلاد جولة جديدة من المسوحات الزلزالية مع كونسورتيوم تقوده شركة "توتال".
الهيئة ضحية المحاصصة وغِياب الرؤية
في تصريح لـ"كافيين دوت برس"، يضع الخبير النفطي ربيع ياغي أصبعه على الجرح الأعمق، مشيرًا إلى أن مشكلة الهيئة تتجاوز مجرد شغور في مقاعدها. فهو يرى أن "هيئة إدارة قطاع البترول في لبنان تعكس في واقع الأمر منطق المحاصصة السياسية"، حيث "تسقط النوعية وتسقط الخبرة" لصالح التعيينات الحزبية والطائفية. ويحذّر ياغي من أن "هذا النهج لا ينهض بالبلد ولا ينهض بأي قطاع، بل على العكس، يسيء إلى سمعة لبنان" أمام المستثمرين الدوليين.
ياغي يشدد على أن لبنان يفتقر أصلًا إلى الخبرة الكافية لإدارة قطاع نفطي متكامل، بسبب إهمال تاريخي بدأ منذ توقف مصفاتي الزهراني وطرابلس وتحولهما إلى "خردة". ويؤكد أن الخبرة لا تُكتسب عبر زيارة قصيرة إلى النرويج، بل عبر استقطاب الكفاءات اللبنانية في الخارج والتي تعمل في كبرى الشركات العالمية. الحلّ الجذريّ من وجهة نظره ليس فقط ملء الشغور، بل إنشاء شركة بترول وطنية تتولى مسؤولية كاملة عن السوق والاستكشاف والبنى التحتية، لأن الهيئات الناظمة وحدها ليست سوى إدارات رديفة في غياب استراتيجية وطنية شاملة وإرادة سياسية حقيقية لقطع الطريق على الفساد والمحاصصة.
فياض: التأخير "سياسي" والعقود مجحفة
بعد تواصل "كافيين دوت برس" مع مستشار وزير الطاقة جورج العاقوري للحصول على توضيحات حول أسباب التأخير في ملء المقاعد الشاغرة الثلاث، لم نحصل على اجوبة، اذ برر المستشار عدم الرد بأن "هناك وسائل إعلامية أخرى تريد الإجابة أيضاً قبلنا". هذا الصمت الرسمي دفعنا للاستعانة برأي وزير الطاقة السابق وليد فياض، الذي كشف أن جذور المشكلة "سياسية" بالدرجة الأولى.
يقدم الوزير وليد فياض في تصريح لـ"كافيين دوت برس" قراءة نقدية لواقع التعيينات والعقود الحالية. وبينما يرحّب بوجود صلاحيات كاملة اليوم (وجود رئيس جمهورية وحكومة)، يرى أن "التأخير في التعيينات لا يمكن تفسيره إلا على أنه تأخير سياسي".
ويستذكر صعوبة الحفاظ على كادر الهيئة خلال الأزمة بسبب تدني الرواتب، مؤكدًا أن "الخطوة الصحيحة اليوم هي تعيين أعضاء جدد، وتأمين ظروف ومزايا مناسبة لهم".
وينتقل فياض الى الحديث عن جوهر الإشكالية، وهي الشروط المجحفة في عقود الاستكشاف مع شركة توتال، وخاصة العقد الجديد للبلوكين 8 و10. ويشير إلى أن هذا العقد يرسّخ الحصار الاقتصادي، لأنه يمنح توتال مهلة طويلة (ثلاث سنوات للمسح وسنتين لاتخاذ قرار الحفر) دون إلزامها بالحفر، مما يعني 5 سنين بدون حفر بئر.
ويصف هذه المهل بأنها تجميد للحقول اللبنانية وتحرم الدولة من استثمارها. كما ينتقد حصة الدولة قائلاً "لا يمكن الحديث عن حقوق فعلية في ظل غياب الحفر".
ويلفت فياض إلى أن قوة لبنان في المفاوضات تكمن في موقف الدولة الموّحد، مطالبًا الحكومة بأن "تتفاوض بشكل أفضل" وأن تسعى لـ "شراكة مهمة" مع توتال بشروط أكثر إنصافًا، داعيًا إلى خفض العتبات (Thresholds) لدخول شركات أصغر لتعزيز المنافسة في الدورات المقبلة.
أزمة تعيينات هيئة إدارة البترول ليست مجرد شأن إداري بطيء، بل هي مرآة لأزمات لبنان المتشابكة: هجرة العقول، المحاصصة السياسية، غياب الاستراتيجية، والتفاوض من موقع ضعف مع شركات عملاقة. ملء المقاعد الشاغرة خطوة إلزامية لإضفاء الحد الأدنى من المصداقية والشفافية على الملف، ولكنها تبقى غير كافية إذا لم ترافقها إرادة سياسية لبناء مؤسسة فنية محصّنة من التدخلات، واستراتيجية وطنية طويلة الأمد، وإعادة نظر جذرية في آليات التفاوض لضمان حماية مصالح لبنان في ثروته البحرية المحتملة. الوقت يداهم لبنان، والخطر ليس فقط في تأخر التعيينات، بل في أن تمر سنوات الاستكشاف المقبلة بينما تظل الدولة عاجزة عن مراقبة اللعبة والمساومة على أفضل النتائج، فتذهب معها "خشبة الخلاص" التي طالما انتظرها اللبنانيون.

