الداخلية تعمل بوتيرة مكثّفة للانتخابات لكن احتمالات التأجيل تتضاعف
على بُعد أقلّ من أربعة أشهر من موعد الاستحقاق النيابي، يقف لبنان مجدداً أمام اختبار دستوري بالغ الحساسيّة، في ظلّ استمرار الخلافات حول تفاصيل القانون الانتخابي وآلياته التطبيقية، ما يضع مصير هذا الاستحقاق برمّته أمام علامات استفهام كبرى. ويُضاف إلى ذلك أن دعوة الهيئات الناخبة، وفقاً للأصول القانونية، يجب أن تصدر قبل تسعين يوماً من موعد الانتخابات، ما يعني عملياً أنّ وزارة الداخلية مطالبة بإطلاق المسار الانتخابي في العاشر من شباط المقبل. غير أنّ هذا الاستحقاق، على أهميته السياسيّة والدستوريّة، لا يزال أسير الانقسامات العميقة والتجاذبات القائمة بين القوى السياسيّة.
ورغم التشديد الرسمي المتكرّر على الالتزام بإجراء الانتخابات في موعدها، إلاّ أنّ هذه التأكيدات، على رمزيتها، تصطدم بحفنة من العوائق الواقعيّة التي تجعل احترام المهلة الدستورية تحدياً جدياً، في ظل انعدام الثقة بين الأطراف، وتعقيد المشهد السياسي.
على الصعيد الإداري، تؤكد مصادر مطلعة أنّ العمل في وزارة الداخلية والبلديات يجري بوتيرة مكثفة لضمان إجراء الانتخابات في موعدها المقرر في أيار، مشدّدةً على تحقيق تقدم كبير في التنسيق مع وزارة الخارجية، ومُشيرةً إلى إصرار الوزير أحمد الحجار على إنجاز هذا الاستحقاق بنفس الزخم، إن لم يكن أكبر، من الاستحقاق البلدي.
هذا اداريًّا، اما سياسيّا، فالمشهد ضبابي، وتتقاطع المؤشرات السياسية مع المعطيات الحزبية، حول الاستعداد للانتخابات قبل حسم الوجهة النهائية للاستحقاق.
يُشدد عضو تكتل "لبنان القوي" النائب سيزار أبي خليل، في حديث لـ"كافيين دوت برس" على أنّ "التيّار" يستعد لخوض الانتخابات في موعدها، مذكّراً بموقفه الثابت الرافض لأي تأجيل، كما حصل عام 2014 حين عارض نواب التكتل إرجاء الانتخابات، معتبراً أنّ حظوظهم الانتخابيّة اليوم أفضل، على خلفيّة ما يصفه بفشل "القوات" في السلطة، إضافةً إلى ما يراه ضعفاً في أداء النواب التغييريين داخل المجلس النيابي.
في المقابل تؤكد مصادر "القوات اللبنانيّة" " أنّ ما يُتداول راهناً في الإعلام عن تحالفات انتخابية أو أسماء مرشحين لا يزال في معظمه غير دقيق، إذ لم تتبلور بعد أي صورة نهائية تسمح بالإعلان عن لوائح مكتملة، مشيرةً إلى أنّ العمل التحضيري قائم لدى جميع القوى المعنية، غير أن الحديث عن حسم اللوائح في هذه المرحلة يُعدّ سابقًا لأوانه.
وتلفت المصادر نفسها إلى أنّ الأسماء التي يجري تداولها، سواء أكانت شخصيّات سياسيّة أو قانونيّة بارزة، لا تزال في إطار التداول الإعلامي، من دون أي قرار نهائي، حتّى إن بعض النواب الحاليين لم يحسموا بعد مسألة ترشحهم، باعتبار أنّ القرار النهائي يخضع لتقدير القيادة الحزبية وحساباتها الانتخابية الدقيقة، مؤكدةً أنّ معراب تتجه إلى التحالف مع قوى سياديّة تشترك معها في العنوان الوطني، وترفض خوض الانتخابات على قاعدة الحسابات العدديّة البحتة، من دون رابط سياسي سيادي جامع، مع الإقرار بأنّ القانون النسبي وتعقيداته يفرضان حسابات دقيقة قد تؤثر على شكل التحالفات، دون أن يعكس ذلك أي تباين سياسي جوهري.
في المقابل، يرى نائب تغييري أنّ ضيق الوقت وغياب الديناميّة السياسيّة الجديّة يجعلان إجراء الانتخابات في موعدها أمراً بالغ الصعوبة، مشيراً إلى أنّ تجربة 2022 أظهرت أنّ التحضيرات تبدأ في كانون الأوّل، في حين أنّ المشهد الحالي يفتقر إلى أي حركة جدية، سواء على مستوى تشكيل اللوائح أو العمل الميداني.
ويعتبر أنّ الخلافات حول تعديل بنود أساسية في القانون الحالي، مثل الميغاسنتر والبطاقة الممغنطة والدائرة السادسة عشرة، تؤشر إلى بلوغ مرحلة حرجة قد تقود إلى نقطة اللاعودة.
ويُحذّر النائب التغييري من أنّ أي تأجيل للاستحقاق يشكل مخالفة صريحة للدستور، مؤكداً أن التفويض الشعبي للنواب محدد بأربع سنوات فقط، ولا يجيز التمديد أو التأجيل تحت أي ذريعة. كما يلفت إلى أنّ القرار النهائي يبقى بيد الكتل الكبرى القادرة وحدها على فرض إجراء الانتخابات أو تعطيلها، في ظل عجز القوى المستقلة عن تغيير موازين القوى وذلك لسبب بسيط أنّ ليس لديها اي تكتل.
في السياق نفسه، تفيد مصادر النائب ميشال معوض بأنّ الحديث عن حسم اللوائح لا يزال مبكرًا، رغم وجود مشاورات واتصالات قائمة، مرجحة أن تتضح الصورة خلال الفترة القريبة المقبلة، مؤكدةً أنّ الرأي العام، رغم حالة الإحباط العامة، يبقى قابلاً للتفاعل مع الاستحقاق كلما اقترب موعده، بوصفه فرصة للمحاسبة والتغيير.
بين من يعلن التزامه بالموعد ومن يراهن على الوقت والمساومات، تبقى المسؤوليّة وطنيّة قبل أن تكون حزبيّة، فيما يبقى الرهان الحقيقي على قدرة الدولة، لا البيانات، على فرض إجراء الانتخابات في موعدها بوصفها المدخل الإلزامي لإعادة إنتاج السلطة والمساءلة، لا خياراً سياسياً قابلاً للتفاوض.