البقاع يُترك خارج حسابات الحرب ومشغرة وأبلح تُرمَيان وحدهما

البقاع يُترك خارج حسابات الحرب ومشغرة وأبلح تُرمَيان وحدهما

على قدر ما تراكم الإهمال، باتت الفضيحة نفسها جزءًا من المشهد اليومي، وكأنّ الانحدار فقد قدرته على الإرباك، وأصبح يُستقبل ببرود مريب وكأنه أمر اعتيادي في دولة تجيد التفلّت من مسؤولياتها بمهارة، وتُتقن إدارة ظهرها كلما كان المطلوب أن تتقدّم الصفوف. هنا، في مشغرة، لا حاجة إلى لجان تحقيق ولا إلى تقارير إعلاميّة مطوّلة كي يُدرك المرء فداحة التردي، فالمشهد وحده كاف ليقول كل شيء. يكفي فقط أن تُلقي نظرة حول هذه البلدة لتكتشف أهال يُتركون لمصيرهم بصمت، فيما الغياب الرسمي يبدو نمطًا ثابتًا من اللامبالاة الباردة، التي تلامس حدود التواطؤ غير المعلن.
 

الدمار في مشغرة ( كافيين دوت برس).jpg 138.14 KB

في هذه الزاوية من البقاع الغربي، تُكشف أيضًا حقيقة منظومة لا ترى في الأطراف سوى هوامش قابلة للاستهلاك والنسيان، وكأنّ الجغرافيا باتت معيارًا للحقوق: "من في المركز يُصان، ومن في الهامش يُترك لمصيره، بلا سؤال ولا حتى التفات".
 
صحيح أنّ مشغرة ليست الوحيدة، لكنّها أيضًا ليست كـسائر البلدات. فهي صورة مصغّرة عن لبنان بكل تناقضاته، لوحة يتجاور فيها الكاثوليكي والماروني والأرثوذكسي والبروتستانتي، إلى جانب الشيعي والسنّي والبهائي، وحتى عائلة درزية، في نسيج اجتماعي طالما شُهد له بالتماسك. غير أنّ هذا النسيج، الذي صمد في وجه أزمات متلاحقة، بدأ يتآكل تحت وطأة الاستهدافات الإسرائيليّة التي لم تميّز بين إنسان وحجر، ولا بين طائفة وأخرى، إنّما أصابت جوهر العيش المشترك، محاولةً خلخلته من الداخل قبل الخارج.
 
وبين خياري النزوح والصمود، يعيش أبناء مشغرة تمزّقًا لا يُحتمل. من نزح فعل ذلك تحت ضغط الخوف على أطفاله ومستقبلهم، ومن بقي تشبّث بما تبقّى من معنى، لكنّ الجميع يشترك في إحساس واحد: "أنّهم متروكون". لا متابعة جدّية، ولا حضور فعليًا، ولا يد تُمدّ في اللحظة الحرجة. حتّى المرجعيات الروحيّة المسيحيّة، التي يُفترض أن تكون الملاذ الأوّل، بدت غائبة على نحو صادم، مكتفية، إن حضرت، باتصالات خجولة أو على الطريقة اللبنانيّة: "عايزين شي، بدكن شي؟" وما أدراكم بهذه الكلمات التي لا نفع لها ولا تؤثر بشيء على أرض الواقع، وكأنّها فقط حفاظًا على ماء الوجه. في موازاة ذلك، يبرز انتظار معلّق لزيارة السفير البابوي، باولو بورجيا، التي يعمل أبناء البلدة مع أحد رجال الدين على التحضير لها عبر ملف متكامل يُرفع إلى السفارة البابوية. على أمل أن تحمل هذه الزيارة جرعة دعم معنوي لابناء ينتمون إلى الكنيسة الكاثوليكيّة كما إلى هذا الوطن، ويحتاجون إلى ما يبدّد شعور العزلة لا أن يكرّسه.
 

رئيس بلدية مشغرة، اسكندر بركة، يختصر المشهد بمرارة حين يؤكّد لـ"كافيين دوت برس" أنّ أكثر من شهر مرّ على اندلاع الحرب دون أي تواصل جدّي مع البلدة، رغم تعرّضها المباشر للقصف. ومع ذلك، لا يزال جزء كبير من الأهالي صامدًا، يتمسّك بأرضه كما لو أنّها خط الدفاع الأخير في وجه انهيار شامل.


ولا تقف المعاناة عند حدود القصف، إنّما تتعدّاها إلى هواجس أمنيّة حقيقيّة. ففي ظلّ الفوضى، يعتبر بركة أنّه من الصعب معرفة من يدخل إلى المنازل، مع احتمال تسلّل أشخاص مشبوهين ليلًا، ورغم الطابع المختلط للبلدة، يبرز توزيع جغرافي طبيعي للأحياء، حيثُ تتواجد مناطق ذات غالبية مسيحيّة قرب الكنائس، وسُجّلت ضربات قرب كنيسة مار نقولا للروم الأرثوذكس، وأخرى سابقًا قرب كنيسة سيدة النياح للروم الكاثوليك، ما أثار مخاوف من استغلال هذه المواقع للاختباء، في واقع يفرض نفسه بعيدًا عن أي تفسير طائفي ضيّق، لكنه يبقى مثقلًا بالقلق المشروع.


 أمّا مقوّمات الصمود، فمحدودة إلى حدّ يلامس العدم. إذ يؤكد رئيس البلدية أنّ ما وصل إلى البلدة لم يتجاوز نحو 750 حصّة من الصليب الأحمر الدولي، شملت موادًا غذائيّة وأدوات تنظيف، في مقابل غياب شبه كامل لأي دعم من المرجعيات الروحية، كاشفًا أنّ مبادرات فردية من شباب البلدة قد نجحت في جمع تبرّعات بسيطة وُزّعت عبر كاهن الرعية، لكنها لم تشمل سوى عدد محدود من العائلات، في صورة تعكس الفجوة الهائلة بين حجم الحاجة وضآلة الإمكانات.
 

ويضيف: "مع استمرار الأزمة، يتعمّق الإحباط. حتّى الذين صمدوا بدأوا يفكّرون في الرحيل المؤقت نحو مناطق أكثر أمانًا، غير أنّ الخوف من التعدّي على منازلهم أو الاستيلاء عليها في غيابهم يشكّل عائقًا إضافيًا يقيّدهم في دائرة القلق نفسها التي يحاولون الفرار منها".


 ويُشدّد على أنّه رغم هذا الواقع القاسي، لا يزال أبناء مشغرة يتمسّكون بخيط العيش المشترك، مدركين أنّه الركيزة الأخيرة التي إن سقطت سقط كلّ شيء، معتبرًا أنّ هذا التماسك لم يلق ما يستحقه من دعم سياسي فعلي، إذ اقتصرت الزيارات على طابع بروتوكولي لا يترجم إلى أفعال. في المقابل، برز دور المجلس الجنوبي في طلب إحصاءات عن الأضرار. كذلك أوفدت وزارة الأشغال شركة "كريدو" لتقييم حجم الدمار تمهيدًا لوضع خطط للترميم، علمًا أنّ آثار الدمار المتراكمة منذ عام 2024 لم تُعالج إلاّ في عام 2026.
 

وتكشف مصادر متابعة لملف مشغرة حجم الأضرار الهائلة التي لحقت بالبلدة، لا سيّما في الأحياء ذات الغالبية المسيحيّة، إذ إنّ هناك تدميرًا كاملًا لخمسة منازل، وتضرّرًا جزئيًا لخمسة أخرى، إضافة إلى 53 منزلًا متصدّعًا يحتاج إلى كشف هندسي عاجل. في المقابل، تُسجّل متابعة من عضو كتلة "التنمية والتحرير"، النائب قبلان قبلان لأوضاع النازحين عبر زيارات متكرّرة لمراكز الإيواء، في محاولة لتخفيف وطأة الأزمة.
 

مشغرة في ظل القصف الاسرائيلي ( كافيين دوت برس).jpg 211.94 KB

ولم تخلُ البلدة من توتّرات خطيرة، إذ تمثّلت بكتابات طائفيّة مسيئة على بعض المنازل، كادت تهدّد السلم الأهلي، لولا تدخّل سريع ساهم في احتواء الوضع ومنع انزلاقه نحو ما لا تُحمد عقباه.

 

ولا تنحصر صورة الإهمال في مشغرة وحدها، إنّما امتدّت إلى معظم بلدات البقاع، تلك المنطقة التي تدفع أثمانًا مضاعفة فيما تبقى خارج دائرة الاهتمام الرسمي، رغم التزام أهلها بواجباتهم كافة من ضرائب ومستحقات. فالبقاع الغربي والأوسط شهدا اعتداءات متكرّرة منذ عام 2024، ولا تزال تداعياتها مستمرّة، كما حصل في بلدة أبلح حيثُ سقط صاروخ قبل أسابيع قليلة.
 
 وبحسب مصادر بقاعيّة متابعة، فإنّ عند أي استهداف تصل على الفور عناصر مسلّحة إلى المواقع المستهدفة قبل أصحاب المنازل أنفسهم. وفي حادثة أبلح، أفاد شهود عيان بأنّ الصاروخ كان من نوع متطوّر، وأنّ خطأ في مساره أدّى إلى إصابة شقّة سكنية، في واقعة كانت كفيلة بحصد أرواح لولا سقوطه على طرف السطح، ما أدّى إلى احتراق سيارات وتضرّر المنزل.

 

وفي متابعة لهذه الحادثة، يؤكّد مالك الشقّة، المهندس إيلي بو موسى، لـموقعنا أنّ الخسائر الماديّة تبقى قابلة للتعويض، وأنّ سلامة الأرواح هي الأساس، لكنّه يلفت في الوقت نفسه إلى غياب أي تواصل رسمي للاطمئنان، باستثناء مبادرة وحيدة جاءت من معراب اقتصرت على السؤال الشكلي. وحتى اللحظة، لا تزال العائلة تنتظر بيان الجيش اللبناني لمعرفة ما جرى فعليًا. 
 
 الحقيقة التي لم يعد ينفع تلطيفها، هي أنّ البقاع متروك عمدًا خارج حسابات الدولة، كأنه عبء يُدار بالصمت بدل أن يُعالج بالفعل. وما جرى ليس سوى "إدارة ظهر" دائمة لمنطقة تُستدعى فقط عند الحاجة إلى دفع مستحقّاتها، ثم تُرمى فور انقضاء المصلحة.

 


 
 
 

اقرأ المزيد من كتابات كارين القسيس