الألوان والنسيان
قليل من الصحو، بين منخفضين، يكفي كي يضع على طريقك من الأزهار الملوّنة التي تلهب الهواء، حتّى لتحسبها طلائع منبئة بقرب مقدم الربيع، فتختلج فرحًا لرؤيتها .
وبخداع هذه الأزهار لك، تحرّك فيك الشعور بضرورة تمتّعك بالألوان في فصل الاكفهرار والعبوس، ولو كان حاملًا تحت معاطفه الرمادّية الخير العميم، المخفّف من توجّسنا من الجفاف المتزايد. هذه الأزهار بالذات لا تتعدّى كونها من الصنف العنيد، المقاوم لعصف الرياح، وطوفان المطر. فتريك الربيع قبل حلوله. كأنّك تشاهد لمحات من فيلم سيعرض قريبًا، أو إعلان تلفزيونيّ عن مسلسل وشيك الظهور على الشاشة الصغيرة .
وتحت ضوء الشمس الساطع لا تستطيع أن تخفي انبهارك، وأنت توجّه بصرك إليها متوّجة باب مدخل، أو متدليّة عن درابزين سور، أو طالعة عند كتف جدول. ترتاح إلى كل تدفئه الشمس في غمرة هذا البرد القارس. ويغمرك الإحساس، بعد وقوع عينك على الأزهار المشبعة حاجتك للألوان، بأنك أفلت من الكآبة قليلًا بسفر عينيك في ما يشعّ، ويتوهّج، مدخلًا البهجة على رتابة حياتك الشتويّة تحت المظلّة وأنت تجتاز الأرصفة، فيما المطر يتهاطل .
يغزو الأصفر المنار قلبك، وينافسه الأحمر المتوهّج تحت أشعة الشمس، والزهريّ المتغاوي بانسجامه مع زرقة السماء من فوقه. فيتراجع اهتمامك بما يتناهى إليك من أخبار. كأنّك تتوقّع شؤمًا ما، من كل ما يحدث عالميًّا، إقليميًّا، وداخليًّا. فضلّا عن الهزّات الأرضيّة المتتابعة .
سوى أنّ الجمال المنبثق من ما حولك من ألوان، يعزّز فيك الشعور بأنّ هذه جديرة بأن تحبّ مهما اشتدت المصاعب، وتعاقبت الأزمات، وحوصرت بالأفكار. فتلوح لك هذه الألوان المبهجة وكأنّها أشبه بالخمرة التي تزوّدك بالنسيان .فيفرح كيانك على نحو يبدو معه كلّ ما يقع تحت نظرك أزهى، وأبهى، من كلّ ما سبق وانصرم من أسابيع الشتاء. فيشحنك جمال ما تراه بالطاقة الإيجابيّة اللازمة وأنت تتنفّس هواء " كانون الأجرد" الشديد الصقوعة .
تستكين النفس في الصحو الذي يتراءى لك كهدنة بين جولتي حرب. ترتاح إلى ما يذكّرك خلاله بالربيع، ولو كان بصرك مصوّبًا دومًا نحو الجبال المغطاة بالثلج .
تقفل عائدًا ممّا اجتزته من محطّات ببعض أزهار تسرّ بها كفواكه في غير أوانها. تضعها طيّات دفاترك، والكتب. فتتنفس لمرآها الروح .








