خريستو نجم الذي أبعده المرض قبل أن يغيّبه الموت

خريستو نجم الذي أبعده المرض قبل أن يغيّبه  الموت

بغياب الشاعر الدكتور خريستو نجم، يغيب شعاع من رهافة، وقبس من رقّة. ويتوقّف قلب سلخ العمر وهو ينبض بمشاعر الحبّ. حتى بعد وقوعه في براثن مرض الألزهايمر الذي اختطفه إليه، قبل أن يختطفه الموت. دون أن يحرمه قدره من شقيقة فاضلة ساعدته على التخفيف من وطأته، بما وفّرته له من عناية، وأظهرته من عطف .
وكنّا، لسنوات طوال، إذا لم تضمّنا مجالس الأدب، ونوادي الثقافة، نترقب بشوق إطلالته على كفرحاتا، إلى ما كنّا نسمّيه "ديوان الشيخ ناصيف الشمر" ، إمّا صحبة الدكتور محمّد النابلسي، أو الدكتور نزيه كبّاره، الذين نسأل الله الآن أن يجزل لهم، ثلاثتهم، الثواب في دار النعيم. فنطرب له ، وهو يسمعنا من جديده والقديم ما نقوم له ونقعد .
وقد وقف خريستو قلمه على الشعر الغزليّ، في الغالب، ووقته على التعليم المدرسيّ، ومن ثمّ الجامعيّ. ولو لم تندلع شرارة حرب، تلو الحرب، على أرض لبنان، في زمانه، لكان مساره الشعريّ، من أوّل أبياته المقفّاة، حتّى آخر بيت، اقتصر على الغزل، دون سواه. ولما كنّا سمعنا من صرير قلمه على الورق سوى أصداء القبلات، والتنهّدات. ولما كانت مدينته طرابلس انتزعت منه كرّاسته: "بكائيّة على جدران مدينتي" ، بعدما رمته بداياتها في ديترويت، حينًا. ولما كانت قريحته فاضت، بما فاضت به من وطنيّات في ديوانه: "جبل التوباد". ولظل الرجل الذي سبق وقلت فيه أنه كان محبًّا، محبًّا ، ومحبًّا ، حتّى آخر خصلة من شعره الفضيّ، وقف شعره المنظوم، بالكامل، على الغرام، يخط سطوره بالكحل العربيّ، وبأحمر الشفاه. على نحو كان معه إذا خاطب مدينته في شعره لجأ إلى الاستعارة، فيشيد بـ"نخيل قدها العالي"، و"سحر جسمها الخلّاب ، وشعرها المرخى على كلّ المباني والسهول" . فلا يغادر الغزل إلّا ليرتمي في أحضانه . ولا يتحرّر من مفردات الهيام حتّى في وطنياته. فيتماهى وجه الحبيبة، ووجه المدينة 
كان يندر أن تقع على من يحاكيه، خُلقًا وخَلقا، لكأنّ حسن طلعته كان مرآة لجمال نفسه. وكان دائم العناية بهندامه ومظهره، كأنّما ليليق بالوقوف على منبر الشعر الذي فتح به، كما فتح له بإلقائه. وبالوقوف على منصّات التعليم الذي صال فيه، وجال. فطبعهما بطابع من روحه .
وكان خريستو ، بخصلات شعره المصفّف بإتقان، على غرار قوافيه، وبربطة عنقه المعقودة بإحكام، والمتمّمة لعناصر أناقته، يشبه إلى حد بعيد قصيدته. فكأنّه القصيدة تمشي على قدمين، بين الصفوف والمنتديات، تصافحك كلّما التأم الشمل، وتُماسيك .
قصيدة، ستظلّ، بعدما انتقلت روحه إلى دار الخلود، تلفّها طرابلس حول عنقها، كشال حرير، منسوج من زهر بساتينها الفوّاح . متمنيّة أن يجود الزمان بأمثاله .

 

أجزل الشكر للمصور إسبر ملحم الذي وضع هذه الصور في متناولنا

 

اقرأ المزيد من كتابات محسن أ. يمين