عاصفة توقّف القضاة عن العمل ستَهبّ قريبًا إلا إذا
يتجه القضاة الى التوقف عن العمل. هي الاصداء المتصاعدة ولا تزال همومهم بلا أصداء من الدولة التي ما لبثت تتعامل معهم كموظفين، وليس كسلطة مستقلّة لأسباب معروفة لا يمكنهم معها الا متابعة تضييق الخناق على اعناقها وابقاء السلطتين التنفيذية والتشريعية موازنتها الفضيحة تحت الصفر من دون خجل. في وقت ترتفع المنّة بإنجاز قانون إستقلاليتهم الأبتر الذي أُنجز بذريعة بسبب المطالبات الدولية بإصلاحات في الدولة بينهم القضاء، فيما اتى هذا القانون بذهنية العجوز. فأصحاب البيت المعنيين به لم تقف السلطة التشريعية على ملاحظاتاهم، مخالفين بذلك الدستور وابقى على تبعية السلطة القضاء، وتحت رحمة عدم الفصل بين السلطات، متجاهلًا مطالب الوجوه الشبابية الذين يتشكل منهم نادي قضاة لبنان، ولا بالنداء الذي وجهوه الى الرؤساء الثلاثة قبل حوالى شهر، من دون ان يملٌوا من إدارة الظهر لهم لتصحيح اوضاعهم المعنوية والمادية. وهذه المرة تدلّ المؤشرات الى ان الامور ذاهبة نحو التصعيد اكثر فأكثر وحتى بالتوقف عن العمل قريبًا، بعدما سبقهم المساعدون القضائيون الى ذلك في أسبوعهم الثاني من الإضراب المفتوح لعدم تصحيح اوضاعهم المعيشية بدورهم. فيما يجد المحامون انفسهم بين شاقوفين بسبب الضرر الواقع على ملفاتهم وموكليهم الذين يقبع منهم في السجون ينتظرون بتّ الدعاوى العالقة في حقّهم.
هذه اللامبالاة من الدولة دفعت بستة من القضاة المشهود لهم الى الاستقالة في عام، في وقت ان المؤسسة القضائية في حاجة ماسة اليهم بسبب النقص في عدد القضاة. ولن يُعوّض فتح دورة جديدة في معهد الدروس القضائية غيابهم، لأن الامر يتصل بتراتبية وسُلّم الدرجات القضائية، وتبعًا فإن الشغور سيلحق في الدرجات الوسطى وما فوق.
وإن شاء المسؤولون في الدولة ان يسمعوا آخر الأخبار المعنوية التي حصلت تحت سقف العدالة، فهي سقوط مساعدتين قضائتين في فترة شهر في عدلية بعبدا وإصابتهما بكسور في اليد بسبب انزلاق إحداهما على الدرَج الدالف سقفه من المطر، والاخرى من سوء توفر الظروف الملائمة للعمل، حيث يضطر القضاة والمساعدون القضائيون ان يعملوا احيانًا على ضوء الخليوي في مبنى مهدد جاره بالانهيار. ولكن على مَن تقرأ مزاميرك يا داوود؟. فكثيرًا ما اوجد العيش في القصور حاجزًا بين الشعور بالترف ومعاناة الناس وحالة القهر التي يعيشونها ولا من يسأل.هل يسألون مثلًا عن وسائل التدفئة في العدليات في الطقس الجليدي والبرد القارس المخيّم في هذه الأيام. هذا الطقس يُعتبر نصف مصيبة في بيروت وضواحيها حيث وسائل التدفئة متوفرة بعض الشيء، ولكنها مفقودة في الأعالي، في المناطق على ارتفاع الف متر وما فوق. في بعلبك، وبشري، وعكار، وكسروان، وكيف الحال في الجبل وراشيا والنبطية والجوار حيث موجة الصقيع والإعتداءات الاسرائيلية في آن.
ومعنويًا أيضًا ماذا عن القاضية التي تعرضت في العاصمة للضرب قبل حوالى شهرين من مُتعنتر فارغ تجرأ على إمرأة اولًا، وقاضية ثانيًا تحكم بإسم الشعب اللبناني بينما كانت في طريقها في سيارتها الى المنزل بمفردها؟.
والحال طفح كيل الجسم القضائي من عدم توفر ظروف عمل مؤاتية، ولا راتب يحترم القاضي. لقد استكتر المسؤولون المعنيون على السلطة القضائية، التي تُبنى عليها الاوطان، ويُعوّل عليها لتقويم المؤسسات وتقويم الفساد وملف انفجار المرفأ وملفات الفساد الاداري، والاستثمارات المنشودة، وهو غير مؤمّن استشفائيًا في شكل كامل، ولا لتعليم اولاده، ولا انارة في مكتبه. وشوهدت مساعدة قضائية تحمل غالون مازوت الى مكان عملها لتتدفأ، ومثلها كثر،في وقت ان وسائل التدفئة والماء والكهرباء مؤمنة في مؤسسات أخرى ومراحيضها معالَجة، فضلًا عن وجود ميزانيات لتأمين الورود والضيافة ورواتب عالية أُقرت أخيرًا لهيئات او مستمرة في احدى المؤسسات التابعة للدولة حيث يتقاضى الحاجب اكثر من القاضي. وفي النتيجة توجد رواتب لكل هؤلاء ومخصصات وسيارات ومحروقاتها وهواتف على نفقة الدولة إضافة الى مرافقين، بإستثناء السلطة القضائية، حيث على القاضي ان يقود سيارته مسافات طويلة، ويضطر ان يبدّل الاطار إن ثُقب ليصل الى مكتبه حيث عليه ان يعمل في ذهن صاف ومسؤولية وجهد وعذاب ضمير وحساب امام الله الدنيا والآخرة، ويصدر احكامًا وجيبه مثقوبً، معلقًا احد قضاتها، ورغم كل هذه الظروف الصعبة يقومون بواجباتهم وانتاجية بشهادة ما ذكره رئيس هيئة التفتيش القضائي القاضي أيمن عويدات وجهه الى وزير العدل عادل نصار قبل اكثر من شهر تضمن إحاطة لكل هذه الظروف. وبوشرت اتصالات بينه ومجلس القضاء. ويبدو انها لا تزال في اطار السعي مع المسؤولين الذين تعاطوا معها ببرودة. ما إستتبع اخيرًا توجيه نداء أخير من 280 قاضيّا في عدادهم قضاة النادي، وقّعوا على عريضة تتضمن مطالبهم سلّموها الى كلّ من مجلس القضاء الاعلى ومجلس شورى الدولة وديوان المحاسبة، وتضمنت مطالبهم في "نداء أخير الى الرؤساء الثلاثة" قبل هبوب العاصفة، على تعبير قاض آخر. وقد إطلع عليها" كافيين دوت برس". وتحت عنوان " المطالب الواجب تحقيقها بالحد الادنى" . وشملت تأمين المياه والكهرباء والمراحيض والتدفئة والقرطاسيةفي قصور العدل والمحاكم بشكل دائم، وراتب ثلاثة آلاف دولار لخريجي المعهد، تأمين قروض سكنية مدعومة للقضاة الذين لم يسبق ان إستفادوا من قرض إسكان، تغطية كاملة للأقساط المدرسية والعنائية الاستشفائية للقضاة وذويهم مع زيادة المخصصات الجامعية،تأمين التمويل اللازم لصندوق تعاضد القضاة لتغطية تعويضات القضاة الذين سيتقاعدون وتعويض القضاة المتقاعدين منذ 2019 عن ما فاتهم من تعويض نهاية خدمتهم جراء إنهيار قيمة النقد الوطني، تخصيص القاضي المنتدب الى اكثر من محكمة بتعويض إضافي،وتعديل بدل النقل لكل من القضاة العدليين ومجلس شورى الدولة وديوان المحاسبة ليكون كافيًا في ضوء بعد المسافة بين مكاني اقامة القاضي وعمله.