ركوب الخيل :ترف ورياضة والجغرافيا تحكم الاسعار

ركوب الخيل :ترف ورياضة والجغرافيا تحكم الاسعار

في بعض الافلام السينمائية والمسلسلات ، الحصان لا يمتطيه إلا الأثرياء. فارس أنيق، نادٍ مغلق، وعشب أخضر لا يشبه يوميات اللبنانيين. لكن ماذا لو كانت هذه الصورة أقرب إلى الخيال منها إلى الواقع؟

بين الشاشة والواقع اليومي، يعيش ركوب الخيل في لبنان مفارقة لافتة. رياضة متجذّرة في الثقافة، لكنها محاطة بصورة نخبوية جعلتها تبدو بعيدة عن متناول الغالبية. ومع الانهيار الاقتصادي، تحوّل هذا الانطباع إلى قناعة راسخة، تُصنِّف ركوب الخيل تلقائيًا ضمن خانة "الترف".

Pictuffre1.jpg 211.63 KB
غير أن الاقتراب من التجربة على الأرض يروي حكاية مختلفة. حكاية تتشكّل بين كلفة الحصة، والمكان الذي تُمارَس فيه الرياضة، والدافع الشخصي لمن يمتطي الحصان. بين الشمال والساحل، وبين نادٍ شعبي وآخر فاخر، تتبدّل الأسعار وتتبدّل معها صورة هذه الرياضة، لتطرح سؤالًا أبسط وأعمق في آن: هل الترف في ركوب الخيل نفسه، أم في الإطار الذي وُضع فيه؟

vbbde.jpg 101.14 KB
يصف وسيم أيوب، أحد ممارسي ركوب الخيل في كسروان، دخوله هذا العالم بوصفه قرارًا واعيًا لا تجربة عابرة. يقول في حديث لـ "كافيين دوت برس": "ما جعل ركوب الخيل أولوية بالنسبة اليّ هو أنه نشاط أردت الاستمرار فيه، لا مجرد تجربة أبدأ بها وأتوقف في منتصف الطريق. وضعت هذا الهدف في ذهني، وفضّلت أن أجرّب التجربة إلى نهايتها قبل أن أقرر إن كانت مناسبة لي أم لا".

ويشرح أن شغفه بدأ من مراقبة الفرسان وهم يركضون بأقصى سرعة ويقفزون فوق الحواجز، إلا أن الطريق لم يكن سهلًا، كما يوضح "أخبرني المدرّب منذ البداية أن الوصول إلى مراحل متقدمة يحتاج إلى ثلاثة أو أربعة أو خمسة أشهر من التدريب، ولم تكن البداية سهلة. واجهت تحديات وسقطت عن الحصان ثلاث مرات".

وعن فكرة أن ركوب الخيل نشاط فاخر، يقول أيوب: "برأيي الشخصي، ركوب الخيل متاح للجميع طالما أن الشخص لا يدخل فيه في شكل احترافي كامل. يصبح غير متاح عندما يتحوّل إلى بطولات، وشراء حصان خاص، وتجهيزات كاملة، والتزام تدريب مكثف عدة أيام في الأسبوع".

أما من حيث الكلفة، فيوضح "سعر الحصة الواحدة يبدأ من نحو عشرين دولارًا وقد يصل إلى أربعين دولارًا، بحسب المنطقة والنادي وخبرة المدرّب، وعادة ما تكون مدة الحصة بين خمسٍ وأربعين دقيقة وساعة".

ويضيف أن الفارق بين المناطق ليس كبيرًا، قائلًا "في بيروت وجونية، تتراوح كلفة الحصة بين عشرين وخمسة وثلاثين دولارًا، بينما قد تنخفض في المناطق الريفية إلى ما بين خمسة عشر وسبعة وعشرين دولارًا".

nyr.jpg 387.4 KB
في الكورة، تقدّم جيسي مفرّج تجربة مختلفة، أقرب إلى العلاقة النفسية منها إلى الرياضة فقط. تقول  "أحببت أن أبدأ تعلّم ركوب الخيل بعدما كنت أرى الخيول تمرّ قرب منزلي، فقررت أن أتسجّل وأخوض هذه التجربة".

وترى أن التحدّي الأساسي كان بناء الثقة بينها وبين الحصان، موضحة "الحصان كائن عاطفي. إذا شعرت بالخوف، يشعر هو به أيضًا، وإذا منحته الأمان يتعامل معي بالطريقة نفسها".

بالنسبة اليها، لم يعد ركوب الخيل مجرد هواية، بل تحوّل إلى مساحة نفسية "أذهب إلى ركوب الخيل لأنه بالنسبة لي أقرب إلى التأمل أو العلاج النفسي، ولم يعد مجرد هواية".

لكنها تشير في المقابل إلى العامل المادي، قائلة "سعر الحصة الواحدة يبلغ نحو عشرين دولارًا".

وتلفت إلى أن العناية بالحصان من طبيب بيطري وأدوية ومستلزمات ترفع الكلفة، خصوصًا بعد الأزمة الاقتصادية وارتفاع أسعار المواد المستوردة.

في أميون – الكورة، يؤكد فريدي بهداريان، صاحب " Black Beauty Riding Club"، في حديث لـ "كافيين دوت برس" أن الأسعار في الشمال أقل مقارنة بالعاصمة. يقول "سعر الحصة الواحدة يبلغ عشرين دولارًا، وهو سعر في متناول الجميع".

ويربط هذا الفارق بالكلفة التشغيلية، موضحًا ان "الأسعار في الشمال أرخص من بيروت، سواء لجهة الإيجارات أو التكاليف العامة، وهذا ما ينعكس مباشرة على السعر النهائي".

كذلك يشير بهداريان إلى أن النادي استطاع الاستمرار خلال الأزمة الاقتصادية من دون رفع كبير للأسعار، معتبرًا أن أي زيادة كبيرة كانت ستؤدي إلى خسارة الزبائن، خصوصًا أن شريحة واسعة من المتدرّبين هم من الأطفال والمراهقين.

أما  روي زيادة، صاحب نادي "EL RANCHO" في ادما - دريس، فيعيد توصيف فكرة "الترف" إلى مسألة العرض والطلب. يقول في حديث لنا:  "في السابق، كان الناس يعتبرون ركوب الخيل نشاطًا فاخرًا لأن عدد النوادي في لبنان كان محدودًا، رغم أنه جزء من ثقافتنا". ويضيف "كان هناك طلب، لكن لم يكن هناك عرض كافٍ، أما اليوم فقد أصبح هناك عرض وطلب، ونتج عن ذلك منافسة".

وعن تغيّر الأسعار، يقول: "قبل ثلاث سنوات، كانت كلفة الحصة الواحدة تتراوح بين خمسة وأربعين وخمسة وستين دولارًا. أما اليوم، فتبلغ خمسة وعشرين دولارًا للحصة إذا كان الحصان تابعًا للنادي".

bnhu.jpg 333.07 KB
وعند مقارنة الأسعار بين المناطق، يظهر الفارق بشكل أكثر وضوحًا. ففي حين تتراوح كلفة الحصة الواحدة في الكورة أو كسروان بين عشرين وخمسة وعشرين دولارًا في معظم النوادي، تبلغ كلفة الحصة الجماعية في" Dbayeh Country Club"  خمسةً وثلاثين دولارًا لمدة خمسٍ وأربعين دقيقة، أي ما يعادل نحو 1.75 ضعف متوسط الأسعار في المناطق الأخرى، وذلك رغم أن الحصة جماعية وليست خاصة.

أما بالنسبة الى الحصص الفردية (Private Sessions)، فيشير القائمون على النادي إلى أنهم لا يعتمدون هذا النمط بشكل أساسي، غير أنه في حال إصرار المتدرّب على حصة فردية، كلفتها 120 دولارًا. وهو رقم يعادل نحو خمسة أضعاف كلفة الحصة في نوادٍ أخرى وذات تقييم ممتاز، حيث لا يتجاوز السعر عادة عشرين إلى خمسة وعشرين دولارًا للحصة الخاصة.

في ضوء المعطيات المتوفّرة، لا يمكن تصنيف ركوب الخيل في لبنان كنشاط فاخر في شكل مطلق، كما لا يمكن اعتباره متاحًا للجميع من دون شروط. الفروقات في الأسعار بين المناطق، وبين النوادي ذات الطابع الشعبي وتلك المصنّفة فاخرة، تُظهر أن الكلفة ترتبط بالمكان ونوع النادي ونمط الحصة أكثر مما ترتبط بالرياضة نفسها. فبين حصص تبدأ من عشرين دولارًا وأخرى تصل إلى مئةٍ وعشرين، تتبدّل التجربة ويتبدّل معها الحكم. لذلك، باختصار في لبنان، الخيل واحد… والترف تحدّده الجغرافيا.

 

اقرأ المزيد من كتابات جاكي مرعب