الغزلان تعود إلى لبنان وجهود خاصة لإحياء ما انقرض

الغزلان تعود إلى لبنان وجهود خاصة لإحياء ما انقرض

عودة الغزلان الى لبنان

لم تعد الغزلان في لبنان مجرد حيوانات يراها الناس في الصور أو مقاطع الفيديو المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي، بل أصبحت جزءًا من مشهد يتوسع تدريجيًّا في عدد من المحميات والمزارع الخاصة، في عدد من المناطق اللبنانية، حيث تُبذل جهود للحفاظ عليها وتكثيرها، في محاولة لإعادتها إلى الطبيعة اللبنانية بعد اعوام طويلة من اختفائها. وبين المبادرات الفردية والمشاريع البيئية، يعمل مربّون ومتخصصون على حماية هذه الحيوانات وإعادة إحياء حضورها في البرية، في خطوة تهدف إلى تعزيز التنوع البيولوجي والحفاظ على أحد أبرز رموز الحياة البرية.

 

الغزلان في عانا شتاء

منذ نحو ثلاثين عامًا، يكرّس فؤاد ناصيف، مربي غزلان وصاحب مشروع في عانا لإعادة توطين الغزلان في لبنان، جهوده لإعادة هذا الحيوان إلى موطنه الطبيعي. ويقول في حديث لـ"كافيين دوت برس" هدفنا " إعادة الغزلان إلى الطبيعة اللبنانية بعد انقراضها، ولذلك نعمل على إكثارها ثم إطلاقها في أماكن آمنة." ويضيف "الغزلان كانت جزءًا من الحياة البرية في لبنان، وهدفنا أن تستعيد مكانها الطبيعي من جديد".

ويشير إلى أن المزرعة تضم أنواعًا عدة، موضحًا "نربي «الفالو دير»، و«الريد دير»، و«النيبون دير»، و«الموسلون»، وغيرها من الأنواع." ويضيف "اخترنا هذه الأنواع لأنها تنتمي إلى بيئة البحر الأبيض المتوسط، ولذلك تتأقلم مع المناخ اللبناني في صورة طبيعية".

ويلفت إلى أن تربية الغزلان تتطلب إمكانات كبيرة، "تربية الغزلان ليست قليلة الكلفة، فهي تحتاج إلى مكان مناسب، وغذاء، ورعاية مستمرة".

ولا يقتصر المشروع على تربيتها داخل المزرعة في عانا في البقاع الغربي، بل يشمل أيضًا إعادة إطلاقها في الطبيعة. ويقول "نطلق الغزلان في شمال لبنان أيضًا." ويتابع "من أبرز المناطق التي أطلقنا فيها الغزلان منطقة بنشعي، حيث يتولى الوزير السابق سليمان فرنجية حمايتها، وهو من أكثر الأشخاص الذين اهتموا بهذا الملف وساهموا في حماية الغزلان والحفاظ عليها."

ويكشف ناصيف عن تعاون مع محمية أرز الباروك "لدينا مشروع مشترك مع محمية أرز الباروك، ونعمل وفق أسس علمية لإعادة الغزلان إلى الطبيعة".

ويتحدث عن دوره في العمل البيئي، موضحًا "أنا عضو في المجلس الوطني للصيد البري، والجمعية تعمل وفق قوانين واضحة، ومن أهدافها إعادة الطيور والغزلان التي انقرضت من لبنان وإعادتها إلى بيئتها الطبيعية."

ويشدد على أن جميع الجهود في هذا المجال تقوم على المبادرات الخاصة، "جميع مشاريع الغزلان الموجودة في لبنان اليوم هي مبادرات خاصة، ولا توجد مشاريع رسمية لتربية الغزلان أو إعادة توطينها."

وعن دورة حياتها، يقول "تلد الغزلان مرة واحدة في السنة. وقد يصل متوسط عمرها إلى نحو خمسة عشر عامًا، وعندما تتقدم في السن يكون نفوقها أمرًا طبيعيًّا، وهذا جزء من دورة حياتها".

ومن جانبه، يوضح المتخصص في تربية الحيوانات والغزلان رامي نجد أن غالبية الغزلان الموجودة في لبنان اليوم ليست من سلالات محلية، بل جرى استقدامها من الخارج قبل أن يتم تكثيرها داخل المحميات والمزارع.

ويقول "توجد في لبنان عدة أنواع من الغزلان، أبرزها الريم، و«الأكسيس دير»، و«الريد دير»." ويشير إلى أن غزال الريم يُعدّ الأقرب إلى الغزال الذي كان يعيش في لبنان، موضحًا "يتميّز هذا النوع بصغر حجمه وقدرته الكبيرة على الاختباء، وهو الأقرب إلى الغزال الذي كان يعيش في البيئة اللبنانية."

ويضيف "يبلغ متوسط عمر الأنثى أكثر من عشر سنوات، بينما قد يعيش الذكر ما بين عشر وثماني عشرة سنة". ويلفت إلى أن عدد الصغار يختلف باختلاف النوع، إلا أن كثيرًا من الغزلان تلد صغيرًا واحدًا في السنة.

أما عن غذائها، فيقول "تعتمد الغزلان في غذائها على الأعشاب والنباتات."

ومع تزايد انتشار مقاطع الفيديو التي تُظهر الزوار وهم يقتربون من الغزلان ويطعمونها، يحذّر نجد من التعامل معها كما لو كانت حيوانات أليفة، مؤكدًا "لا أشجع التعامل معها بهذه الطريقة، لأنها تبقى حيوانًا بريًّا، وقد تصبح أكثر اندفاعًا خلال موسم التزاوج." ويضيف: "الغزلان ليست حيوانات أليفة، ومكانها الحقيقي هو الطبيعة."

ويشير أيضًا إلى أن الغزلان، شأنها شأن سائر الحيوانات، تأثرت بالأمراض التي انتشرت في لبنان خلال الأشهر الماضية، "إلا أن التدخل البيطري ساهم في حمايتها والحدّ من آثار تلك الأمراض."

ويؤكد أن الخبرة في التعامل مع الغزلان لا تقتصر على الدراسة النظرية، بل تعتمد في صورة كبيرة على الممارسة اليومية، "اكتسبت خبرتي من سنوات طويلة من العمل الميداني والاحتكاك المباشر بالغزلان، وهو ما ساعدني على فهم سلوكها واحتياجاتها."

وفي وقت تتواصل الجهود لإكثار الغزلان وإعادتها إلى بيئتها الطبيعية، في اكثر من منطقة في لبنان، يبقى نجاح هذه المبادرات خطوة مهمة نحو استعادة جزء من الحياة البرية التي افتقدها لبنان على مدى عقود.

اقرأ المزيد من كتابات جاكي مرعب