أهالي المناطق الجبلية الشمالية صامدون رغم قساوة الطبيعة

أهالي المناطق الجبلية الشمالية صامدون رغم قساوة الطبيعة

خْلِقْنا هون ضيعتنا حلوة، الله بيدبّر وبيسّر وما بيترك حدا"، بهذه الكلمات تعبّر جويل ماجد، التي تعيش مع أهلها في بلدة مزرعة التفاح الجبلية، عن رضاها بحياتها رغم الصعوبات. وهي حال تشبه واقع كثيرين من أبناء المناطق الجبلية، التي تُعدّ من أجمل المناطق في لبنان، إلّا أن فصل الشتاء يترك فيها بصماته القاسية أحيانًا وينعكس في شكل مباشر على تفاصيل الحياة اليومية للسكان.

r5yvi.jpg 305.4 KB
أرزة زيدان من بلدة بسلوقيت المحاذية لاهدن تقول "العواصف تؤثر علينا في شكل كبير وخصوصا عندما تتساقط الثلوج فتتأثر حياتنا اليومية، تقفل الطرقات ولا يعاد فتحها بسهولة لانها بلدة بعيدة ولا يوجد طريق منها لبلدة أخرى وتبقى أول ثلاث ايام من العاصفة هي الاصعب".

وتتابع "في بسلوقيت نساعد بعضنا البعض ولا يترك أحد منا الآخر ، اذ نتّكل على بعضنا لتأمين أغراضنا ومستلزماتنا وتبقى المحلات مفتوحة رغم البرد والعواصف. وتختم "كلّنا إيد وحدة، والحمد لله نحنا بخير سوا".

hgrhrthwht.jpg 122.52 KB
وتروي  حنان يعقوب، التي تعيش مع عائلتها في بلدة كرم المهر، كيف يستعد معظم الأهالي لمواجهة العواصف، إذ يعمدون إلى تأمين مؤونتهم مسبقًا من زغرتا.وتوضح أن في كرم المهر مستوصفًا صغيرًا كما ان مؤسسة كاريتاس تزور البلدة أسبوعيًا وتؤمن عددا من الادوية الضرورية.

وتضيف "خلال موسم الثلوج، تعمل البلدية على فتح الطرقات. أما في الحالات الصحية الطارئة فيُنقل المريض إلى نقطة يمكن للصليب الأحمر الوصول إليها، ليتم إسعافه ونقله إلى المستشفى".

وعن التعليم، تشير حنان إلى أن أبناءها يتعلمون في مدرسة اللعازارية في زغرتا، فيما يتعلم أطفال آخرون في مدارس أخرى مثل مار أنطونيوس – الخالدية وغيرها. وتقول "عندما يكون الطقس عاصفًا أو تتساقط الثلوج، تتوقف الباصات أحيانًا عن نقل التلاميذ، كذلك يحصل أحيانًا تأخير في الوصول إلى المدرسة نتيجة انخفاض درجات الحرارة صباحًا، إلا أن إدارات المدارس تتفهم هذا الوضع".

أما في ما يتعلق بالتدفئة، فتلفت يعقوب إلى أن البيوت الحديثة مجهزة بوسائل تدفئة عصرية، في حين لا تزال البيوت القديمة تعتمد على "صوبيا الحطب"، التي يتم تأمينها قبل حلول فصل الشتاء، نظرًا لكونها الخيار الأوفر.  

وتختم بالحديث عن أزمة الكهرباء، مشيرة إلى أنها دائمة وتنقطع  الكهرباء كليًا خلال العواصف، فيما تعتمد بعض المنازل على الطاقة البديلة التي قد تنقطع أيضا لعدم شحنها، في حين لا يزال البعض الآخر يعتمد على المولدات. وتؤكد أن "التحدي الأصعب يتمثل في الصقيع وانخفاض درجات الحرارة، إضافة إلى غياب وسائل النقل بين كرم المهر وزغرتا، ما يجعل كل شخص يستخدم سيارته الخاصة للتنقل نحو الساحل".

 

تعدّ ظروف العيش في المناطق الجبلية صعبة نوعًا ما، نظرًا الى عدم توافر جميع المستلزمات الحياتية. لكنّ اللبناني أينما وُجد يستطيع التأقلم مع مختلف الظروف، ويواجه التحديات بإصرار على الحياة، لا سيّما حين يتجسد لديه الانتماء للأرض التي وُلد فيها، والقناعة بما هو فيه.

q36y6.jpg 383.72 KB
جويل ماجد التي تعيش مع أهلها في مزرعة التفاح، تشير الى أنّه "في موسم البرد والثلوج نقضي معظم وقتنا قرب "الستوف" نظرا الى تدني درجات الحرارة"، موضحة ان نمط الحياة في فصل الشتاء يختلف كثيرا عن باقي فصول السنة حيث تتساقط الامطار بغزارة ويتشكل الملاح وتصبح الموصلات صعبة وهذا ما يعرقل امكانية تأمين الاحتياجات". وتضيف "نحرص على تأمين المازوت والحطب للتدفئة، كلّ بحسب قدرته، وتأمين التدفئة هو اولوية بالنسبة لنا، كما نستعد للعواصف من خلال تأمين مؤونة الأدوية، والطعام، وسائر المستلزمات الضرورية مسبقًا من البلدات المجاورة".

وتلفت إلى أن أكثر ما يزعج السكان في هذا الموسم هو تشكّل الجليد والملّاح الذي قد يؤدي إلى تجمّد المياه داخل القساطل، ما يمنع وصولها إلى البيوت.

وتشير إلى أن الجرافات تعمل في شكل دائم على فتح الطرقات، فيما يقوم بعض الأهالي برش الملح أمام منازلهم للمساعدة في إذابة الثلوج.

وتتابع " العيش في المناطق الجبلية امر صعب في الشتاء. منزلنا هو ملك لنا ولا نستطيع استئجار او شراء منزل في الساحل، "الله خلقنا هون ضيعتنا حلوة، الله بيدبر وبيسّر وما بيترك حدا".

وتقول جويل "نواجه صعوبة في ايجاد فرص عمل، نعيش في حالة روتين، نهتم بأعمال البيت، بالصلاة، وفي هذا الفصل تتوقف اعمال الزراعة وتتوقف الورش اما من يعملون خارج البلدة فيؤمنون تنقلاتهم عبر سيارات رباعية الدفع". وتلفت الى ان الحياة في الجرد تحسنت كثيرا وتأمنت بعض المستلزمات التي كانت غائبة سابقًا.

الإحساس بالمسؤولية ضرورة ملحة، وكمّ من أشخاص يؤمنون بأن مساعدة الآخرين في ظل هذه الظروف ليست مجرد عمل، انما واجب إنساني وأخلاقي يهدف إلى تأمين حياة الناس وتسهيل شؤونهم اليومية، ومنع تعريض أي شخص للخطر، انطلاقًا مما يتحلّى به هؤلاء من نخوة وضمير وشعور بالمسؤولية.

13tui.jpg 180.06 KB
رئيس مركز جرف الثلوج في إهدن روني الترس يقول انه ينتظر موسم الشتاء وتساقط الثلوج بشغف، ويؤكد عشقه لإهدن في هذا الفصل وسعيه الدائم للتأقلم مع مختلف الظروف المناخية. ويشير إلى أنّ من أبرز الصعوبات التي يواجهونها تشكّل الجليد، لما له من تأثير سلبي على جريان المياه وصعوبة التنقل. ويتابع "نبدأ التحضير لموسم الثلوج منذ شهر أيلول، حيث نجهّز كل شيء، بما في ذلك منازلنا. نحن في مركز جرف الثلوج تابعين لوزارة الأشغال العامة، ونعمل على فتح الطرقات الرئيسية والفرعية بالتعاون مع البلدية. يضم المركز 30 شابًا و9 آليات، ويغطي عملنا 24 بلدة، وأتولى إدارة العمل ميدانيًا".

ويشير إلى أن من أبرز المخاطر التي تواجههم تصرّف بعض السائقين الذين يقصدون إهدن مع بدء تساقط الثلوج، إذ يسيرون بمحاذاة الجرافات أو خلفها، ما قد يؤدي إلى حوادث خطرة، داعيا الجميع إلى الالتزام بالإرشادات والابتعاد عن الآليات، إضافة إلى التنبه للمخاطر الطبيعية.

ويؤكد أن هذا العمل أساسي خلال فصل الشتاء في إهدن، لتسهيل تنقّل المواطنين وفتح الطرقات، لا سيما الخطوط الرئيسية التي تخدم الجيش والصليب الأحمر والمستشفى، إضافة إلى الطريق الأساسي لإدخال المواد الغذائية إلى القرى وإهدن. 

ويختم بالقول "هذا الجهد ينعكس إيجابًا على الحركة السياحية، وكم هو جميل شعور الفرح عندما نرى إهدن مليئة بالناس والزوار، والمطاعم والفنادق ناشطة، والطرقات مؤمّنة، ونراها عامرة شتاءً كما في شهر آب".

اقرأ المزيد من كتابات اوديت همدر