ازمة حماية الملكيات العقارية في الجنوب: "حركة القيود" في مواجهة الفوضى
دمار الجنوب
بين الركام الذي خلّفته الحرب في جنوب لبنان، لا تبدو الخسائر محصورة بالمنازل والبنى التحتية فحسب، بل تمتد إلى واحدة من أكثر القضايا حساسية وتعقيداً: الملكيات العقارية. فمع تغيّر معالم قرى بأكملها، وفقدان مستندات وسندات ملكية، وتضرّر بلديات ومراكز مخاتير ودوائر رسمية، تتصاعد المخاوف من مرحلة ما بعد الحرب، اذ قد تتحول الفوضى العقارية إلى أزمة قانونية واجتماعية طويلة الأمد تهدد حقوق آلاف المالكين وتعرقل إعادة الإعمار والاستثمارات في الجنوب.
وفي خضم هذه المخاوف، حصل "كافيين دوت برس" على معلومات حول خدمة إلكترونية جديدة ستطلقها وزارة المال، تحمل اسم "حركة القيود"، تتيح لأصحاب العقارات تلقي إشعارات مباشرة على هواتفهم في شأن أي حركة أو تعديل يطرأ على قيودهم العقارية، في خطوة تهدف إلى تعزيز حماية الملكيات والحدّ من عمليّات التلاعب أو التزوير المحتملة في المرحلة المقبلة.
وتأتي هذه التطورات في وقت تزداد التحذيرات من النزاعات العقارية المحتملة، خصوصًا في المناطق التي شهدت دمارًا واسعًا أو تلك التي لا تزال تعاني أساسًا من غياب المسح العقاري الكامل، فضلاً عن تعقيدات مرتبطة بتشابه الأسماء، ووجود عدد كبير من أصحاب الأملاك خارج البلاد، أو بين الضحايا والمفقودين. وفي المقابل، تؤكد الجهات الرسمية أنّ جزءًا كبيرًا من الخرائط والسجلات العقارية لا يزال محفوظًا، وأنّ القوانين اللبنانية تتيح إعادة تكوين الملفات المفقودة أو التالفة، فيما يرى خبراء قانونيون وعقاريون أنّ نجاح إعادة الإعمار يبقى مرتبطًا بسرعة حسم الملف العقاري، ومنع الفوضى والتزوير، وترسيخ الثقة القانونية والإدارية في المناطق المتضررة.
توافر الخرائط العقارية والقدرة على إعادة الإسقاط
وفي هذا الإطار، تؤكد المديرة العامة للشؤون العقارية في لبنان بالإنابة، جويس عقل لـ" كافيين دوت برس" أنّ المديرية لا تتعامل مع الملف بوصفه أزمة فقدان نهائيّ للسجلات، بل كعملية إعادة تنظيم وتكوين تستند إلى أطر قانونية واضحة تضمن الحفاظ على الحقوق العقارية. وتشير إلى أنّ السجل العقاري اللبناني يستند إلى منظومة قانونية تسمح بإعادة تكوين العناصر المفقودة أو التالفة، مستفيدة من الخرائط العقارية والقيود الرسمية وصور عقود البيع والمستندات المتوافرة لدى الإدارات المختصة.
وتلفت إلى أنّ الخرائط الأساسية للمناطق الجنوبية لا تزال محفوظة لدى المديرية والجهات الرسمية المعنيّة، ما يسمح بإعادة تثبيت الحدود وإسقاطها ميدانيًا عند الحاجة، مؤكدة أنّ أي ضرر أصاب بعض الملفات لا يعني ضياع الحقوق أو سقوطها. وتشدّد على أنّ معالجة الملفات تختلف بحسب طبيعتها، إذ يمكن حلّ بعض الحالات إداريًا، فيما يتطلب بعضها الآخر إجراءات قضائية لإثبات الملكية عند غياب المستندات الكافية.
وفي موازاة ذلك، تضع المديرية أولوية للحدّ من عمليات التزوير أو التلاعب بالملكيات، عبر إجراءات رقابية وقانونية متشددة، إلى جانب الخدمات الإلكترونية الجديدة التي تسمح لأصحاب العقارات بمتابعة أي تغيير يطرأ على قيودهم العقارية في شكل مباشر.
ضياع المستندات الفردية ليس مشكلة كبيرة
أما نقيب الوسطاء والاستشاريين العقاريين، وليد موسى، فيرى أنّ الأزمة العقارية الفعليّة لا تكمن في فقدان المستندات الفردية في حدّ ذاتها، باعتبار أنّ معظم المعلومات الأساسية لا تزال محفوظة في الدوائر العقارية اللبنانية، بل في حالة الضبابية التي تحيط بمستقبل بعض المناطق الجنوبية التي تعرضت لدمار واسع أو لا تزال تعيش حالة عدم استقرار أمني.
ويحذر موسى من أنّ استمرار هذا الواقع قد يفتح الباب أمام استغلال بعض المستثمرين لحالة القلق السائدة، من خلال شراء عقارات بأسعار متدنية في المناطق المتضررة، ولا سيما في محيط صور والنبطية، مستفيدين من حاجة بعض السكان أو خشيتهم من المستقبل المجهول. لكنه في المقابل يعتبر أنّ أي تسوية سياسية أو استقرار أمني كفيل بإعادة تنشيط السوق العقارية سريعًا واستعادة الأسعار لمستوياتها الطبيعية.
ويشير إلى أنّ التحدي الأكبر سيظهر في ملف الأبنية المدمّرة التي تضم عددًا كبيراً من الشقق والأقسام، حيث ترتبط إعادة البناء بتوافق جميع المالكين وتأمين التمويل اللازم، ما يجعل هذا النوع من الملفات من الأكثر تعقيدًا على المستوى القانوني والتنظيمي.
ويشدد على أنّ المستثمرين الجديّين لن يغامروا بالدخول في مشاريع أو شراء عقارات يحيط بها غموض قانوني أو نزاعات ملكية، ما يجعل من حسم الوضع العقاريّ وإجراء مسح شامل للأضرار خطوة أساسية قبل الانطلاق بأي عملية إعادة إعمار واسعة.
ضرورة إجراءات عاجلة لتفادي أزمة عقارية
من جهتها، تنظر رئيسة الهيئة اللبنانية للعقارات، المحامية أنديرا الزهيري ، إلى الملف العقاري بوصفه أحد أخطر الملفات التي ستواجه لبنان بعد الحرب، نظرًا إلى ما قد يخلّفه تغيّر المعالم الجغرافية وغياب المسح العقاري الكامل في بعض المناطق من نزاعات معقّدة تمتد لسنوات.
وترى الزهيري أنّ حجم الدمار والفوضى قد يشكل بيئة خصبة لعمليات التزوير والاستيلاء على الأملاك، خصوصاً في القرى غير الممسوحة أو تلك التي تعتمد بعض أراضيها على مستندات محلية كـ"العلم والخبر"، إضافة إلى حالات تشابه الأسماء ووجود عدد كبير من أصحاب الحقوق خارج البلاد أو بين الضحايا والمفقودين.
وتعتبر أنّ أي خلل في حماية الملكية الفردية لن ينعكس فقط على النزاعات العقارية، بل سيفتح الباب أيضًا أمام إشكالات شرعيّة وإدارية وجزائية مرتبطة بالإرث وإثبات الحقوق وصفات الورثة، فضلاً عن قضايا التزوير والتعدّي على الأملاك الخاصة والعامة.
وفي تقييمها لواقع الأرشفة العقارية، ترى الزهيري أنّ المكننة الجزئية الحالية لا تزال غير كافية لمواجهة تداعيات الحروب والكوارث، في ظل بطء الرقمنة وضعف الربط الإلكتروني بين الإدارات العامة وتعطّل المؤسسات خلال الأزمات، ما يحدّ من قدرة المواطنين على الوصول السريع إلى مستنداتهم وحقوقهم.
وتشدد على أنّ حماية الملكيات تتطلب خطة متكاملة تبدأ برقمنة شاملة للسجل العقاري، وإجراء مسح ميدانيّ عاجل للقرى المتضررة قبل تغيّر معالمها بشكل نهائي، وصولاً إلى إنشاء قواعد بيانات مركزية محمية، وتشكيل لجان قضائية وعقارية متخصصة لمعالجة النزاعات ومنع تراكم الدعاوى بعد الحرب.
وفي ظل هذه التحديات، يبدو أنّ ملف الملكيات العقارية سيكون واحداً من أكثر الملفات حساسية في مرحلة ما بعد الحرب، ليس فقط لارتباطه بحقوق الأفراد، بل أيضاً لدوره المحوري في إعادة الإعمار واستعادة الثقة بالاستقرار القانوني والاقتصادي في الجنوب اللبناني